يقول الإمام الأدفوي:"حكى لي الشيخ زين الدين عمر الدمشقي المعروف بابن الكتّاني -رحمه الله تعالى-: قال: دخلت عليه -أي على الإمام ابن دقيق العيد- بكرة يوم فناولني مجلَّدة، وقال: هذه طالعتها في هذه الليلة التي مضت"اهـ.
هذا لأنّ بعض الناس أُوتوا سرعةً في القراءة مع حُسن فهم وضبط، وهذا أمر يُجرى فيه الآن وتُقام فيه دورات متخصصة خاصّة في بلاد الغرب؛ كيف تقرأ مجلدًا في يوم قراءةً واعيةً ومُتدبّرة وتخرج بخلاصته وعصارته، وهذا كان خُلق كثير من الأئمة الذي مضوا -رحمهم الله-.
وقال الأدفوي:"وأخبرني شيخنا الفقيه سراج الدين الدَّنْدري أنه لما ظهر (الشرح الكبير في فقه الإمام الشافعي) للرافعي اشتراه -ابنُ دقيق العيد- بألف درهم، وصار يصلي الفرائض فقط، واشتغل بالمطالعة إلى أن أنهاه، وذُكر عنده هو والغزالي في الفقه، فقال: الرافعي في السماء". اهـ، وإذا قال المتأخرون من الشافعية:"قال الشيخان"؛ فهما الرافعي والنووي -رحمهم الله جمعيًا-.
يكمل الإمام الأدفوي:"ويقال -عن ابن دقيق العيد- أنه طالع كتب الفاضلية عن آخرها" [1] ، اهـ. والمكتبة الفاضلية هي مكتبة ضخمة، طالعها كلّها.
قال السبكي -رحمه الله- في ترجمة الإمام ابن دقيق العيد:"ربما استوعب الليلة فطالع فيها المجلد أو المجلدين" [2]
وجاء أيضًا في ترجمة المجد الفيروز آبادي، صاحب (القاموس المحيط) ، وكلمة"القاموس"معناها البحر، والكتاب الذي تبحث فيها عن معاني الكلمات يسمّى معجمًا، لكن هذا المعجم اسمه القاموس، لكن لشُهرته صارت الناس تظنّ أن القاموس هو الكتاب الذي تبحث فيها عن معاني الكلمات.
قرأ صحيح مسلم في ثلاثة أيام متصلة في دمشق وأنشد:
قرأتُ بحمد الله جامعَ مسلمٍ *** بجوف دمشق الشام جوف الإسلامِ
على ناصر الدين الإمام ابن جهبل *** بحضرة حُفَّاظٍ مشاهيرَ أعلامِ
وتم بتوفيق الإله وفضله *** قراءة ضبط، في ثلاثة أيامِ
وقرأ الحافظ أبو الفضل العراقي صحيح مسلم على محمد بن إسماعيل الخباز بدمشق في ستة مجالس متوالية، قرأ في آخر مجلس منها أكثر من ثلث الكتاب، وذلك بحضور الحافظ زين الدين بن رجب وهو يُعَارِضُ بنسخته.
(1) انظر كتاب (الطالع السعيد الجامع أسماء علماء نجباء الصعيد) للأُدْفُوي الشافعي.
(2) انظر طبقات الشافعية الكبرى 9\ 211.