الرَّسُولَ وَلَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِنْ حُكْمِهِ، أَيْ حَرَجًا يَصْرِفُهُمْ عَنْ تَحْكِيمِهِ، أَوْ يُسْخِطُهُمْ مَنْ حُكْمِهِ بَعْدَ تَحْكِيمِهِ، وَقَدْ عُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ لَا يَنْصَرِفُونَ عَنْ تَحْكِيمِ الرَّسُولِ وَلَا يَجِدُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِنْ قَضَائِهِ بِحُكْمِ قِيَاسِ الْأَحْرَى. هـ
وقال سبحانه {النساء 60} :
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (60)
كذبهم الله تعالى في دعواهم للإيمان لما أرادوا أن يتحاكموا إلى غير شريعته وإلى غير حكمه.
فمحال أن يجتمع إيمان بالله وإيمان بحكم غيره، فهما لا يجتمعان ولا يرتفعان، إما حكم الله أو حكم غيره. فمن اختار الأول فقد فاز بالثواب ومن اختار الثاني فقد ضل عن الصراط.
ودلت الآية أيضا أن هؤلاء الذين يتحاكمون إلى غير شريعة الله تعالى هم واقعون في الضلال البعيد المبين، وهذا وصف في كتاب الله لا يطلق إلا على الشرك وما ينقض أصل الدين.
قال ابن كثير {تفسير القرآن العظيم ج2 ص346} :
هَذَا إِنْكَارٌ مِنَ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، عَلَى مَنْ يَدَّعِي الْإِيمَانَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْأَنْبِيَاءِ الْأَقْدَمِينَ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يُرِيدُ التَّحَاكُمَ فِي فَصْلِ الْخُصُومَاتِ إِلَى غَيْرِ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ. هـ
وقال محمد رشيد رضا {تفسير المنار ج5 ص181} :
وَمَنْ قَصَدَ التَّحَاكُمَ إِلَى أَيِّ حَاكِمٍ يُرِيدُ أَنْ يَحْكُمَ لَهُ بِالْبَاطِلِ وَيَهْرُبَ إِلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ فَهُوَ مُؤْمِنٌ بِالطَّاغُوتِ، وَلَا كَذَلِكَ الَّذِي يَتَحَاكَمُ إِلَى مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ يَحْكُمُ بِالْحَقِّ، وَكُلُّ مَنْ يُتَحَاكَمُ إِلَيْهِ مِنْ دُونِ اللهِ وَرَسُولِهِ مِمَّنْ يَحْكُمُ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ فَهُوَ رَاغِبٌ عَنِ الْحَقِّ إِلَى الْبَاطِلِ، وَذَلِكَ عَيْنُ الطَّاغُوتِ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الطُّغْيَانِ الْكَثِيرِ. هـ
وقال ابن عجيبة {البحر المديد ج1 ص520} :
وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا، بأن يصرفهم عن حكم الله ورسوله. هـ