الصفحة 11 من 28

-الحكم بشريعة الله إيمان:

إن الإيمان لا يكفي فيه مجرد التصديق والإقرار لكي ينفع صاحبه، بل لا بد أن يظهر أثر هذا التصديق على الجوارح، فالقول بلا عمل لا ينفع صاحبه حتى يجسد ذلك على أرض الواقع، فمن زعم الإيمان بالله تعالى ولم يحكم بشريعته وحكم بالقوانين الوضعية فهو كاذب في دعواه، لا يتم له ذلك حتى يحكم بما أنزل الله وينبذ كل ما خالف شرع الله.

قال تعالى {النساء 65} :

فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65)

فهذا قسم من الباري سبحانه وتعالى بنفسه المقدسة المطهرة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم وينقاد ويستسلم لحكم النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو حكم الله تعالى.

لأن من أطاع الرسول فقد أطاع الله كما جاء في محكم القرآن، {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} .

قال الشوكاني {فتح القدير ج1 ص559} :

وَفِي هَذَا الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ: مَا تَقْشَعِرُّ لَهُ الْجُلُودُ، وَتَرْجُفُ لَهُ الْأَفْئِدَةُ. فَإِنَّهُ أَوَّلًا أَقْسَمَ سُبْحَانَهُ بِنَفْسِهِ، مُؤَكِّدًا لِهَذَا الْقَسَمِ بِحَرْفِ النَّفْيِ بِأَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ، فَنَفَى عَنْهُمُ الْإِيمَانَ الَّذِي هُوَ رَاسُ مَالِ صَالِحِي عِبَادِ اللَّهِ، حَتَّى تَحْصُلَ لَهُمْ غَايَةٌ، هِيَ:

تَحْكِيمُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ لَمْ يَكْتَفِ سُبْحَانَهُ بِذَلِكَ حَتَّى قَالَ: ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ فَضَمَّ إِلَى التَّحْكِيمِ أَمْرًا آخَرَ، هُوَ عَدَمُ وُجُودِ حَرَجٍ، أَيْ حَرَجٍ، فِي صُدُورِهِمْ، فَلَا يَكُونُ مُجَرَّدُ التَّحْكِيمِ وَالْإِذْعَانِ كَافِيًا حَتَّى يَكُونَ مِنْ صَمِيمِ الْقَلْبِ عَنْ رِضًا، وَاطْمِئْنَانٍ، وَانْثِلَاجِ قَلْبٍ، وَطِيبِ نَفْسٍ، ثُمَّ لَمْ يَكْتَفِ بِهَذَا كُلِّهِ، بَلْ ضَمَّ إِلَيْهِ قَوْلَهُ: وَيُسَلِّمُوا أَيْ: يُذْعِنُوا وَيَنْقَادُوا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، ثُمَّ لَمْ يَكْتَفِ بِذَلِكَ، بَلْ ضَمَّ إِلَيْهِ الْمَصْدَرَ الْمُؤَكِّدَ فَقَالَ: تَسْلِيمًا فَلَا يَثْبُتُ الْإِيمَانُ لِعَبْدٍ حَتَّى يَقَعَ مِنْهُ هَذَا التَّحْكِيمُ، وَلَا يَجِدَ الْحَرَجَ فِي صَدْرِهِ بِمَا قُضِيَ عَلَيْهِ، وَيُسَلِّمُ لِحُكْمِ اللَّهِ وَشَرْعِهِ، تَسْلِيمًا لَا يُخَالِطُهُ رَدٌّ وَلَا تَشُوبُهُ مُخَالَفَةٌ. هـ

وقال ابن عاشور {التحرير والتنوير ج5 ص101} :

وَقَدْ نُفِيَ عَنْ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ أَنْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ كَمَا يَزْعُمُونَ فِي حَالٍ يَظُنُّهُمُ النَّاسُ مُؤْمِنِينَ، وَلَا يَشْعُرُ النَّاسُ بِكُفْرِهِمْ، فَلِذَلِكَ احْتَاجَ الْخَبَرُ لِلتَّاكِيدِ بِالْقَسَمِ وَبِالتَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ، لِأَنَّهُ كَشْفٌ لِبَاطِنِ حَالِهِمْ. وَالْمُقْسَمُ عَلَيْهِ هُوَ: الْغَايَةُ، وَمَا عُطِفَ عَلَيْهَا بِثُمَّ، مَعًا، فَإِنْ هُمْ حَكَّمُوا غَيْرَ الرَّسُولِ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ فَهُمْ غَيْرُ مُؤْمِنِينَ، أَيْ إِذَا كَانَ انْصِرَافُهُمْ عَنْ تَحْكِيمِ الرَّسُولِ لِلْخَشْيَةِ مِنْ جَوْرِهِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنَ السِّيَاقِ فَافْتَضَحَ كُفْرَهُمْ، وَأَعْلَمَ اللَّهُ الْأُمَّةَ أَنَّ هَؤُلَاءِ لَا يَكُونُونَ مُؤْمِنِينَ حَتَّى يُحَكِّمُوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت