الصفحة 22 من 34

ومن أنواع الشرك الأصغر أيضا: طلب العلم لغير الله، كطلبه لتحصيل الوظيفة والشهادة، أو طلبه لأجل الرياء والسمعة، ونحو ذلك مما ينافي الإخلاص.

وفي صحيح مسلم من حديث العلاء بن عبدالرحمن بن يعقوب عن أبيه عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (قال الله تبارك وتعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه) .

وفي صحيح البخاري من حديث عبدالله بن دينار عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة: إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش. طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع) .

وفي سنن أبي داود من طريق فليح بن سليمان عن أبي طوالة عبدالله بن عبدالرحمن بن معمر عن سعيد بن يسار عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:

(من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله عز وجل لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة) .

يعني: ريحها.

وفليح بن سليمان فيه كلام. وقد خرج له البخاري ومسلم.

والحديث رواه أيضا: ابن ماجه، والحاكم وصححه، وسكت عنه الذهبي. وللحديث شاهد من حديث ابن عمر بلفظ: (من تعلم علما لغير الله أو أراد به غير الله فليتبوأ مقعده من النار) . رواه الترمذي من طريق أيوب السختياني عن خالد بن دريك عن ابن عمر به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.

وهذا الصنف، أعني: طلاب الدنيا بالدين، مرضى مرض قلوب، باعوا دينهم وإخلاصهم لتحصيل منافع عاجلة، وهذا بلاء عظيم، ومرض متوغل في القلوب، ومسلك منحرف، صاحبه كأنه لا يعيش إلا ليأكل، وهذا مسلك اليهود الذين عبدوا الدنيا وهجروا ما وراءها.

والأمراض القلبية من حب الجاه، والعلو في الأرض، وتطلب مدح الناس: عقوبات يصاب بها كثير من العباد الذين يؤثرون الدنيا على الآخرة، وهذه الأمراض تسلب المسلم دينه وكرامته، فقبحها فوق ما يتصوره الكثير، فما أسوأ مغبتها، وأعظم خطرها، وأسرع عقوبتها، وما أهون صاحبها على الله.

ووراء هذه الأمراض الفتاكة (العلم المغشوش) ، الذي هو عقبة على العلم الشرعي المستمد من كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -.

فأصحاب العلم المغشوش يرفرف الجهل على قلوبهم ويظنون أنهم حازوا العلم المنشود؛ لأن صاحب الهوى قد أعماه هواه عن معرفة الحق، ومن أرشدهم إلى خطر هذا العلم، وبعده عن تعاليم الدين، رموه عن قوس واحدة بالجهل والتخلف، وربما نسبوه إلى الخوارج المارقين. فالله المستعان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت