الصفحة 23 من 34

(فصل)

وأما النوع الثالث من أنواع التوحيد فهو:

(توحيد الأسماء والصفات).

ومعرفة هذا النوع من الأصول التي أرسل الله بها رسله، وأنزل بها كتبه. فإنكار هذا النوع إنكار للخالق وجحد له. ولا يدخل العبد في الإسلام حتى يؤمن بأسماء الله وصفاته.

قال العلامة ابن القيم - رحمه الله:

(لا يستقر للعبد قدم في المعرفة بل ولا في الإيمان - حتى يؤمن بصفات الرب جل جلاله، ويعرفها معرفة تخرجه عن حد الجهل بربه، فالإيمان بالصفات وتعرفها: هو أساس الإسلام وقاعدة الإيمان وثمرة شجرة الإحسان. فمن جحد الصفات فقد هدم أساس الإسلام والإيمان وثمرة شجرة الإحسان، فضلا عن أن يكون من أهل العرفان.

وقد جعل الله سبحانه منكر صفاته مسيء الظن به. وتوعده بما لم يتوعد به غيره من أهل الشرك والكفر والكبائر فقال تعالى:

{وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنْ الْخَاسِرِينَ} فصلت.

فأخبر سبحانه أن إنكارهم هذه الصفة من صفاته: من سوء ظنهم به، وأنه هو الذي أهلكهم. وقد قال في الظانين به ظن السوء {عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا} الفتح6.

ولم يجيء مثل هذا الوعيد في غير من ظن السوء به سبحانه، وجحد صفاته وإنكار حقائق أسمائه من أعظم ظن السوء به ... .) مدارج السالكين (3/ 363) .

ومذهب سلف الأمة وأئمتها في باب الأسماء والصفات: أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه، أو بما وصفه به رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - من غير تحريف، ولا تعطيل، ومن غير تكييف، ولا تمثيل {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} الشورى11، وينزهون الله عن مشابهة المخلوقات تنزيها بلا تعطيل ويثبتون لله جميع الأسماء والصفات الواردة في الكتاب والسنة إثباتا بلا تمثيل، فإن من نفى عن الله صفة من صفاته فهو معطل، وإن حرفها وصرفها عن ظاهرها فهو ملحد محرف، وإن أثبتها وقال: إنها تشبه صفات المخلوقين فهو مشبه، وإن قال: أفوض علم معاني الصفات إلى الله فهو مفوض وخطره على العقيدة أعظم من خطر الجهمي لخفاء قوله على كثير من المشتغلين بالعلم، والعجب أن كثيرا ممن تصدى للتصنيف يعزو هذا القول إلى السلف - وهم كثر ممن لم يفقه مذهب السلف على حقيقته منهم: الرازي، والغزالي، والسيوطي، وصاحب (كتاب مناهل العرفان في علوم القرآن) فإنه قد عزى مذهب التفويض إلى السلف وارتضى هذا القول وسمى المذهب الصحيح المبني على الكتاب والسنة مذهب الخلف، وله في كتابه المذكور آراء فاسدة وتصورات خاطئة في العقيدة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت