، وهو أول شيء فرضه الله على عباده، وهو أسنى المطالب، وبالتوحيد تطمئن القلوب، وتنشرح الصدور، ويتميز أولياء الرحمن من أولياء الشيطان. وعلى حسب كمال توحيد العبد: تكون ولاية الله له. فإن الناس يتفاوتون في التوحيد وتحقيقه.
وحرص السلف على تحقيق التوحيد، وتخليصه من شوائب الشرك والبدع والمعاصي أمر مستفيض عند العلماء وطلبة العلم.
ولا يوجد تحقيق االتوحيد إلا في أهل الصدق والإيمان.
وأكمل الخلق توحيدا وتحقيقا له: الأنبياء والمرسلون، فإنهم قد حققوه بفعل الأوامر، وترك النواهي: من الشرك والبدع والمعاصي.
ومن ادعى أنهم لم يحققوا توحيدهم، أي: لم يخلصوه من الشرك والبدع والمعاصي، فقد خلع الإسلام من عنقه، وارتدى لباس الكفر والنفاق، لأن دعوة الرسل قائمة على: هدم الشرك، وإبطال البدع. فرميهم بعدم معرفة التوحيد، أو بعدم تحقيقه: كفر لتكذيبه القرآن المصرح بأنهم بعثوا لقمع الشرك وللدعوة إلى التوحيد. فكيف يدعون إلى التوحيد وهم لا يعرفونه؟ هذا من أعظم التنقص لهم.
فالله المستعان.
واعلم: أنه بحسب توحيد العبد، وكمال تحقيقه: يكون انشراح صدره. فإن التوحيد أعظم الأسباب الجالبة لانشراح الصدر واتساعه، فإنه كلما قوي توحيد العبد، زاد انشراح صدره. وبنقصه ينقص.
وأما الشرك فهو أعظم الأسباب الجالبة لضيق الصدر وحرجه، لأن المشرك عدل بالله غيره، وتنقص ربه ومعبوده أعظم التنقص، إذ سوى به غيره: ممن لا يملك جلب نفع لنفسه فضلا عن غيره، ولا يستطيع دفع ضر عن نفسه، فكيف يدفعه عن غيره؟
وكلما بعد الناس عن عهد النبوة كثر الجهل فيهم.
والشر كله عائد إلى الجهل بالله وبعظمته، فإذا كثر الجهل وعم؛ كثر الإشراك بالله، وكثرت البدع والمنكرات، والأمور المكفرات لبعدهم وإعراضهم عن تعلم الدين.
وفي الصحيحين وغيرهما عن عبدالله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من صدور الرجال، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهلا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا) .
فذهاب العلماء العاملين من أسباب ظهور الجهل وضلال العباد. وأما العلماء الذين يشترون الحياة الدنيا بالآخرة فوجودهم من أسباب الفساد في الأرض، وكثير ما هم.
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَاكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ ... } [التوبة: 34] .
فهذه الآية فيها خبر من الله تعالى بأن كثيرا من الأحبار: وهم العلماء والرهبان، وهم العباد ليأكلون أموال الناس بالباطل بتساهلهم في التحليل والتحريم طلبا للعاجل، فيحملون النصوص مالا تحتمل إرضاء للرؤساء والزعماء، ومحافظة على مناصبهم ورياستهم وهم مع ذلك يصدون عن سبيل الله، ويلبسون الحق بالباطل، وهذا حال علماء السوء، وهذه صفتهم.
وكثير ممن يعبد غير الله، ويركع، ويسجد، وينحر، وينذر، ويصرف معظم العبادات لغير الله من الأموات وغيرهم؛ يحصل له هذا الشرك بسبب علماء السوء الفجار الذين يأكلون أموال الناس بالباطل، ويصدون عن سبيل الله، فجعلوا الفتيا الفاجرة المبنية على الجهل الصرف، والمراغمة والمحادة لله ولرسوله - صلى الله عليه وسلم -. سلما لنيل شهواتهم.
وفي هؤلاء وأمثالهم من علماء السوء يقول الرب جل وعلا: