وهذا كثير في أشعار أهل الجاهلية فهم أعقل من الجهمية المنكرين لعلو الله على خلقه فهم كابروا المنقول والمعقول قال تعالى: {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء} الملك16 وقال تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} فاطر10 وقال تعالى: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} الأنعام18 ... وقال تعالى: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} آل عمران 55. وفي الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه -عن النبي - - - قال (إن الله كتب كتابا قبل أن يخلق الخلق أن رحمتي سبقت غضبي فهو مكتوب عنده فوق العرش) . وفي (صحيح مسلم) عن معاوية بن الحكم السلمي أن النبي - - - قال للجارية: (أين الله؟) قالت: في السماء قال: (من أنا؟) قالت: أنت رسول الله قال (أعتقها فإنها مؤمنة) . والأحاديث في إثبات علو الله على خلقه متواترة فلا ينكر ذلك إلا جهمي مارق خارج عن الدين داخل في زمرة الصابئة والمشركين.
وأما إنكار استواء الله على عرشه فهو أيضا مذهب الجهمية المنكرين للعلو، وفي سبعة مواضع من القرآن. يثبت الله استواءه على العرش وهذا الاستواء استواء حقيقي معلوم، ولكن الكيف مجهول ومن أنكر استواء الله على عرشه استواءً حقيقيًا فهو جهمي وقد كفر الجهمية خمسمائة عالم من سائر البلدان. قال العلامة المحقق ابن القيم - في (( نونيته ) ):
ولقد تقلد كفرهم خمسون في ... عشر من العلماء في البلدان
واللالكائي الإمام حكاه عنهم ... بل قد حكاه قبله الطبراني
قال يزيد بن هارون: من زعم أن الرحمن فوق العرش استوى على خلاف ما يقر في قلوب العامة فهو جهمي. وعلى هذا المنهج درج علماء السلف ونسبوا منكر الاستواء إلى الجهمية، هذا وليعلم أنني لم آت على جميع ما في كتاب (( مناهل العرفان في علوم القرآن ) )من التعطيل والتفويض فليكن المسلم حذرًا مما يقرره صاحب الكتاب في باب العقيدة وليستغن بكتب السلف عن هذا الكتاب فإنه يخاف على مطالعه من الإغترار بشبهاته وأباطيله خصوصًا أنه يعزو ما يأتي به من الباطل إلى السلف، ولا يستطيع هذا الكاتب ولا غيره ممن عدل عن مذهب السلف وركن إلى مذهب الخلف وارتضى لنفسه مذهب التفويض والتعطيل أن ينقل حرفًا واحدًا عن السلف فيما ادعى وليس هناك شيء مما ادعاه قاله السلف لا من الصحابة ولا من التابعين لهم بإحسان ولا قاله أحد من الأئمة المشهورين الذين لهم رسوخ في العقيدة وقدم صدق في هذا الباب كمالك ويزيد بن هارون وحماد بن زيد والأوزاعي ونعيم بن حماد وأحمد والشافعي وإسحاق بن راهويه والبخاري ولا من بعدهم من الأئمة المحققين كابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم رحمهم الله وخطأ هذا المفوض جاء من قبل جهله بمذهب السلف وظنه علماء الكلام هم السلف الذين لهم المرجع في مثل هذه المسائل، وهذا ضلال مبين.
والواجب على كل مسلم يريد نجاة نفسه تدبر القرآن الكريم والسنة النبوية في هذا الباب العظيم، وعليه بسؤال رب جبريل وميكائيل وإسرافيل الهداية إلى صراط مستقيم فإنه من فهم هذا الباب وأثبت لله ما أثبت لنفسه فقد هدي إلى صراط مستقيم، فنسأل الله الهداية إلى الصراط المستقيم ونستعيذ به من صراط أهل الجحيم -
وأنه مذهبهم وهذا كذب عليهم أو خطأ، والسلف برآء من هذا المذهب براءة الذئب من دم يوسف.