الصفحة 13 من 56

أصل من أصول الشرك ومعقل من معاقل الوثنية، فالرضا عن الشرك والدخول فيه والذود عنه شرك أكبر مخرج من الملة الإسلامية، فدعوة الأنبياء والرسل ومنهج السلف ليتبرأ ممن دخل هذه المجالس أو دافع عنها كبراءة الذئب من دم يوسف عليه الصلاة والسلام، لذا نقول: لا يصح توحيد المرء حتى يفرد الله وحده بالحاكمية العليا والسيادة المطلقة، وأيضًا نقول: لا يصح توحيد المرء حتى تكون آياته وحدها هي الحكم الأعلى والحجة القاطعة والمرجع النهائي عند التنازع [1] لا يصح لكم توحيد حتى يكون الأمر والنهي والتحليل والتحريم لله لا للبرلمان، بل للكتاب والسنة لا لما تسمونه بـ (إرادة الأمة) لا يصح لكم توحيد حتى تعلوا سيادة الشريعة الإسلامية على ما عداها من الأنظمة والشرائع الوضعية الإلحادية، وهذا هو الإشراك بعينه في حكم الله قال تعالى: (وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا) [2] يفهم من هذه الآية أن متبعي أحكام المشرعين غير ما شرعه الله تعالى أنهم مشركون بالله وهذا المفهوم جاء مبينًا في آيات أخر كقوله فيمن اتبع تشريع الشيطان في إباحة الميتة بدعوى أنها ذبيحة الله: (وَلاَ تَاكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) [3] فصرح بأنهم مشركون بطاعتهم وهذا الإشراك في الطاعة واتباع التشريع المخالف لما شرعه الله تعالى هو المراد بعبادة الشيطان في قوله تعالى: (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ، وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ) [4] . وقول إبراهيم لأبيه: (يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا) [5] وقوله تعالى: (إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا، لَّعَنَهُ اللّهُ) [6] أي: ما تعبدون إلا شيطانًا وذلك باتباع تشريعه ولذا سمى الله تعالى الذين يطاعون فيما زينوا من المعاصي شركاء في قوله تعالى (وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ) [7] الآية، ومن أصرح الأدلة في هذا أن الله جل وعلا في سورة النساء بين أن من يريدون أن يتحاكموا إلى غير ما شرعه الله يتعجب من زعمهم أنهم مؤمنون وما ذلك إلا لأن دعواهم الإيمان مع إرادة التحاكم إلى الطاغوت بالغة من الكذب ما يحصل منه العجب، وذلك في قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلًا بَعِيدًا) [8] وبهذه النصوص السماوية التي ذكرنا يظهر غاية الظهور أن الذين يتبعون القوانين الوضعية التي

(1) - وقد سمعنا أن زنديقة محامية مصرية قالت في استجواب لإحدى الإذاعات الشرقية بأن: (نصوص القرآن والسنة يجب أن يعاد فيهما النظر لأنهما غير مسايرين للعصر) .

(2) - الكهف: 26.

(3) - الأنعام: 121.

(4) - يس: 60 - 61.

(5) - مريم: 44.

(6) - النساء: 117 - 118.

(7) - الأنعام: 137.

(8) - النساء: 60.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت