ابتداء خالص حق الله باعتباره من خصائص الربوبية والألوهية كذلك من لم يعدل عن شرع الله كله ولكنه عدل فيه. ذلك أنه لا يملك التعديل إلا سلطة في نفس المستوى أو سلطة أعلى فمن فعل ذلك فقد جعل من نفيه ندًا لله تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
فالتحريم والتحليل اللذان أشارت إليهما الآيات الكريمة يتخذ صورة العدول أو التعديل فمن عدل عن تحريم الخمر إلى إباحتها فقد أحل ما حرم الله ووقع في الكفر والشرك، وكما يكون العدول صريحًا بأن يقال عن الحرام حلال فإنه يكون كذلك ضمنيًا بتغيير وصف الحكم من الحرام إلى الحلال ففي مثل الخمر جاء تحريمها بالنص والإجماع، فإذا جاءت نصوص وضعية خالية من العقاب فقد غيرت وصف الحكم وجعلته مباحًا، والمباح أحد أقسام الحلال ومن ثم فإنها تكون بذلك قد أحلت ما حرم الله، كذلك الزنا حرمته الشريعة بالنص والإجماع.
فإذا جاءت نصوص وضعية خالية من النص على العقاب عليه ولو في بعض الأحوال فإنها تكون قد أباحته في هذه الحالات أي: تكون قد أحلت ما حرم الله هذه صور من العدول أما صور التعديل: فإن الحكم يبقى على وصفه الأصلي فلا ينقلب من الحرام إلى الحلال ولكن مثلًا يجري التعديل في العقوبة التي وضعها الله- سبحانه وتعالى- للفعل كأن يحتفظ النص الوضعي بتحريم الفعل وتجريمه ولكنه يعدل في العقوبة المقررة له شرعًا فيجعله الحبس بدلا من الجلد أو الرجم ويمكن أن يقال إن مثل تلك النصوص الوضعية التي تتضمن تعديلًا في الحكم الشرعي تتضمن كذلك عدولًا فإن وضع العقوبة مكان أخرى عدول عن العقوبة الأصلية التي شرعها الشارع الحكيم علاجًا للداء وهو أعلم بمن خلق وهو اللطيف الخبير وعلى ذلك فالعدول والتعديل هو من قبيل التحليل والتحريم الذي دمغه القرآن بالكفر والشرك وتلك أقصى صور عدم الشرعية.
قلت: لأن رد الحكم الشرعي كفر، وتشريع حكم مخالف للقرآن كفر، والتحاكم إليه -عالمًا بإلحاده- كفر، والرضى عنه كفر، والدفاع عنه كفر، وجمع الناس لهؤلاء الكفرة كفر، وبعبارة فكل من دافع على أصحاب مدرسة (فصل الدين عن السياسة) فهو كافر، (وفصل الدين عن السياسة هدم لمعظم حقائق الدين، ولا يقدم عليه المسلمون إلا بعد أن يكونوا غير مسلمين)
قال السيد: (إن الذين يحكمون على عابد الوثن بالشرك ولا يحكمون على المتحاكم إلى الطاغوت بالشرك ويتحرجون من هذه ولا يتحرجون من تلك، إن هؤلاء لا يقرؤون القرآن ولا يعرفون طبيعة هذا الدين، فليقرؤوا القرآن كما أنزل الله وليأخذوا قوالبه بجد(وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) [1] أيها البرلمانيون وأيها المدافعون عنهم أما تستحيون من ربكم؟ أما لكم شهامة ونخوة دينية؟ وأين غيرتكم الإيمانية معشر المدافعين؟ وأين الرغبة في الخير؟ وأين الحمية الدينية؟ وأين الشهامة الإنسانية؟ وأين نصيحتكم لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم؟ وأين واجبكم الديني والقرآني؟ وأين أنتم من قوله صلى الله عليه وسلم: (تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك) ؟ وقوله: (تركت فكيم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا كتاب الله وسنتي) وقوله (ما تركت شيئًا مما أمركم الله به إلا وقد أمرتكم به ولا تركت شيئًا مما نهاكم الله عنه إلا وقد نهيتكم عنه) الحديث؟.
(1) - أنظر (الظلال) (8/ 146) .