الصفحة 39 من 56

والله لست بثالث لهما بلى ... إما حمارًا أو من الثيران

وأختم الرد على هذه الشبهة بكلام نفيس للعلامة أحمد شاكر حيث قال: في هامش (عمدة التفاسير) عند تفسير قوله تعالى: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ) : (وهذه الآية(وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ) والآية الأخرى (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) اتخذها اللاعبون بالدين في هذا العصر -من العلماء وغيرهم- عدتهم في التضليل بالتأويل ليواطؤا صنع الإفرنج في منهج النظام الدستوري الذي يزعمونه، والذي يخدعون الناس بتسميته (النظام الديمقراطي) ، فاصطنع هؤلاء اللاعبون شعارًا من هاتين الآيتين، يخدعون به الشعوب الإسلامية أو المنسّبة للإسلام، يقولون: كلمة حق يراد بها باطل.

(يقول الحدوشي: وكم من كلمات حق يراد بها باطل في عصرنا) يقولون: (الإسلام يأمر بالشورى) ونحو ذلك من الألفاظ، وحقًا إن الإسلام يأمر بالشورى ولكن أي شورة يأمر بها الإسلام؟ إن الله سبحانه يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) .

ومعنى الآية واضح صريح، لا يحتاج إلى تفسير، ولا يحتمل التأويل، فهو آمر للرسول صلى الله عليه وسلم، ثم لمن يكون ولي الأمر من بعده أن يستعرض آراء الصحابة الذين يراهم موضع الرأي الذين هم أولوا الأحلام والنهى في المسائل التي تكون موضع تبادل الآراء وموضع الاجتهاد في التطبيق، ثم يختار من بينها ما يراه حقًا أو صوابًا أو مصلحة، فيعزم على إنفاذه غير متقيد برأي فريق معين، ولا برأي عدد محدود، ولا برأي أكثرية ولا برأي أقلية، فإذا عزم توكل على الله، وأنفذ العزم على ما ارتآه.

ومن المفهوم البديهي الذي لا يحتاج إلى دليل أن الذين أمر الرسول بمشاورتهم -ويأتسي به فيه من يلي الأمر من بعده- هم الرجال الصالحون القائمون على حدود الله، المتقون الله، المقيمو الصلاة، المؤدو الزكاة، المجاهدون في سبيل الله، الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليلني منك أولوا الأحلام والنهى) .

ليسوا هم الملحدين، ولا المحاربين لدين الله، ولا الفجار الذين لا يتورعون عن منكر، ولا الذين يزعمون أن لهم أن يضعوا شرائع وقوانين تخالف دين الله وتهدم شريعة الإسلام هؤلاء وأولئك -من بين كافر وفاسق- موضعهم الصحيح تحت السيف أو السوط، لا موضع الاستشارة وتبادل الآراء والآية الأخرى آية الشورى كمثل هذه الآية وضوحًا وبيانًا وصراحة (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) أهـ [1] أنظر كتاب لوزارة الأوقاف بعنوان: (حكم الدين في

(1) - اسمع لعمر التلمساني ماذا قال عن الأحزاب الكافرة حين التقت به صحيفة الأنباء الكويتية الصادرة في (17/ 5/1986م) فسألته عن موقفهم من الأحزاب فقال: (موقفنا من الأحزاب هو موقفنا من الحكومات لا نعادي ولا نخاصم وأعتقد أننا على صلات طيبة بهم جميعا ونلتقي وجهات نظرنا عند نقطة واحدة هي المطالبة بالحرية الكاملة المنصفة وعدم الحجر على أقلام الكتاب) وفي عدد رقم 775 في 15/ 7/1986م التقت المجتمع مع حامد أبي النصر وسئل عن علاقتهم بحزب الوفد فقال: (علاقة الإخوان بحزب الوفد علاقة وطيدة حتى الآن لأن الوفد أقدم الأحزاب الشعبية وله تاريخه في خدمة البلاد ثم إنه الحزب الوحيد الذي تبنى فكرة الوحدة الوطنية التي أتت بأطيب الثمرات للبلاد والتي يؤمن بها الإخوان وستكون علاقتنا بالوفد علاقة طيبة لا تنفصم) ومصطفى السباعي المرشد العام للإخوان في سوريا وهو من رفاق حسن البنا وتلاميذه خاض معركة عام 1950م تسمى معركة الدستور وكان قد طالب بأن يكون دين الدولة الرسمي هو الإسلام فقامت قيامة الكفرة الذين يضمهم المجلس من النصارى والعلمانيين والقوميين فرد عليهم ردودًا ميّع فيها الإسلام تمييعًا لا مثيل له وهذا حال كل من يدخل هذه المجالس الشركية فإنه لا يستطيع أحد أن يتكلم إلا في ظل (الصنم) المسمى الدستور، المهم بعد أن قام عليه المذكورون أعلاه أصدر بيانًا طويلًا قال فيه: وحيث إنهم نزلوا يدلون بحججهم وآرائهم أصبح من واجبنا أن ندلي بحججنا وآرائنا ونطلع الرأي العام على حقيقة فكرتنا وأن نناقش أدلة المخالفين ونفندها والأمر بعد ذلك كله للشعب إذ هو مصدر كل سلطة وسيادته هي السيادة الحاكمة التي تتمثل في مجلسه التأسيسي وحكومته الدستورية .. ونحن لا نريد بهذا النص أن نلغي البرلمان ونمحو القوانين .. كلا .. كونوا مطمئنين سيبقى لنا مجلسنا ونوابنا وقوانينا وأنظمتنا ولكن مع سمو الروح ونظافة اليد وعيش الإنسان الكريم -وقال أيضًا-: (وخلاصة القول أننا لا نريد انقلابًا في قوانينا الحالية وإنما نريد التقرييب بينها في التشريعات المدنية وبين نظريات الإسلام الموافقة لروح هذا العصر ولأصدق النظريات الحقوقية السائدة فيه فإذا اتفق التشريع الإسلامي مع النظريات الحديثة فهل تجدون حرجًا في الأخذ به تراثًا قوميًا عربيًا تعتزون به وتفاخرون به) راجع هذا الكلام في كتابه (رجل فكرة وقائد دعوة ص93 - 98) إن أردت أن تعرف كيف أهانوا الإخوان الإسلام في مجلس النواب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت