النكير عليهم والله عز وجل يتوعدهم عليه بهذا الوعيد؟ ما هذا الضلال؟ وآخر يقول: (دخلنا لإنكار المنكر من داخل مجالس الطاغوت [1] ولا سبيل لنا في إنكار المنكر إلا بهذا)
ومن هذا الباب أيضًا كراهة الدخول على الملوك والدنو منهم وهو الباب الذي يدخل منه علماء الدنيا إلى نيل الشرف والرئاسات فيها وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (من سكن البادية جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى أبواب السلاطين أفتُتن) [2] وفي رواية (وما زاد أحد من السلطان دنوًا إلا ازداد من الله بعدًا) إسناده حسن صحيح بشواهده راجع الرقم (1272) وفي الصحيحة وفي رواية بإسناد فيه مقال (إن أناسًا من أمتي سيتفقهون في الدين ويقرؤون القرآن ويقولون نأتي الأمراء فنصيب من دنياهم ونعتزلهم بديننا ولا يكون ذلك كما لا يجتنى من القتاد إلا الشوك كذلك لا يجتنى من قربهم إلا الخطايا) وخرجه الطبراني ولفظه: (إن أناسًا من أمتي يقرؤون القرآن ويتعمقون في الدين يأتيهم الشيطان يقول لو أتيتم الملوك فأصبتم من دنياهم واعتزلتموهم بدينكم ألا ولا يكون ذلك كما لا يجتنى من القتاد إلا الشوك كذلك لا يجتنى من قربهم إلا الخطايا) لكنه ضعيف أيضًا، وأيضًا حديث التعوذ من جب الحزن وفيه (وإن من أبغض القراء إلى الله الذي يزورون الأمراء الجورة) ومن أعظم ما يخشى على من دخل على الملوك الظلمة أن يصدقهم بكذبهم ويعينهم على ظلمهم ولو بالسكوت عن الإنكار عليهم بل ربما حسن لهم بعض أفعالهم القبيحة تقربًا إليهم ليحسن موقفه عندهم ويساعدوه على غرضه ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: (سيكون بعدي أمراء فمن دخل عليهم فصدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه وليس بوارد علي الحوض، ومن لم يدخل عليهم ولم يعنهم على ظلمهم ولم يصدقهم بكذبهم فهو مني وأنا منه وهو وارد عليّ الحوض) [3] وقد كان كثير من السلف ينهون عن الدخول على الملوك لمن أراد أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر أيضًا وممن نهى عن ذلك عمر بن عبد العزيز وابن المبارك والثوري وقال ابن المبارك: (ليس الآمر الناهي عندنا من دخل عليهم فأمرهم ونهاهم إنما الآمر الناهي من اعتزلهم) وسبب هذا ما يخشى من فتنة الدخول عليهم فإن النفس قد تخيل للإنسان إذا كان بعيدًا عنهم أنه يأمرهم وينهاهم ويغلظ عليهم فإذا شاهدهم قريبًا مالت النفس إليهم لأن محبة الشرف كامنة في النفس له ولذلك يداهنهم ويلاطفهم وربما مال إليهم وأحبهم -وعلق قصيدة في مدحهم كما فعل شقرة مع الملك حسين ولما علق عليه بعض الإخوان أجاب بأنه يحبه -حبك إياه سيوردك المكاره- ولا سيما إن لاطفوه وأكرموه وقبل ذلك منهم وقد جرى ذلك لعبد الله بن طاووس مع بعض الأمراء بحضرة أبيه طاووس فوبخه طاووس على فعله ذلك والأمثلة في هذا كثيرة جدًا نكتفي بما كتبه سفيان الثوري إلى عباد بن عباد: ( ... وإياك والأمراء أن تدنو منهم وتخالطهم في شيء من الأشياء وإياك أن تخدع فيقال لك: تشفع
(1) - إن هؤلاء الطواغيت الذين يعتقد الناس فيهم وجوب الطاعة من دون الله كلهم كفار مرتدون عن الإسلام، كيف لا، وهم يحلون ما حرم الله، ويحرمون ما حرم الله، ويحرمون ما أحل الله ويسعون في الأرض فسادًا بقولهم وفعلهم وتأييدهم، ومن جادل عنهم أو أنكر على من كفرهم، أو زعم أن فعلهم هذا ولو كان باطلًا فلا يخرجهم إلى الكفر، فأقل أحوال هذا المجادل أنه فاسق، لأنه لا يصلح دين الإسلام إلا بالبراءة من هؤلاء وتكفيرهم.
(2) - رواه أحمد (1/ 357) وأبو داود (2859) والترمذي (2256) والنسائي (7/ 196 وما قبلها) وفي إسناده ضعف إلا أن الحديث له طريق يتقوى بها ولذا صححه الألباني في صحيح الجامع الصغير (6296) .
(3) - حديث صحيح رواه أحمد (4/ 243) والترمذي (2259) والنسائي (7/ 160 - 161) وابن حبان (1/ 517) وصححه الأرناؤوط.