الصفحة 1 من 14

بسم الله الرحمن الرحيم

قال سبحانه وتعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، وذلك دين القيمة} ، { ... إنما إلهكم إله واحد، فاستقيموا إليه واستغفروه وويل للمشركين، الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون} ، {الذين إن مكناهم في الأرض، أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، ولله عاقبة الأمور} .

والصلاة والسلام على معلم الناس الخير، محمد وآله وصحبه والتابعين لهم بإحسان.

وبعد:

فرسالة الإسلام الهادية إنما تستهدف تحرير الإنسان وتكريمه بأن يكون عبدا لله وحده، وتنظيم المجتمع وإسعاده، وتوجيه الشعوب إلى الحق والخير، ودعوتها إلى منهج الله، لتعبده ولا تشرك به شيئا، وألا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله.

والتصور الإسلامي للملكية يقوم على أساس الاعتراف الكامل لله عز وجل بأنه الخالق المتفرد والمالك الأصيل لكل شيء، وبالتالي الإقرار له وحده بالحق في تنظيم حركة الحياة وضبط مسار المال وحقوق التملك والمآلات في كل ذلك، ولما كان ركن الزكاة بمثابة العمود الفقري لنظام المال في الإسلام، فقد كان الالتزام بأدائه ممن وجبت عليه لمن استحقت لهم، هو التعبير الأصيل والممارسة الصادقة لعقيدة المسلمين في حقوق الله المالية، وقد كان أداء الزكاة ولا يزال رمزا للاستسلام لله سبحانه وتعالى واتباع شريعته.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ... والصدقة برهان) [رواه الطبراني بإسناد جيد] .

قال عز وجل: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم} .

ولا يخفى عن الأخ والأخت المسلمة، أن الحكمة من إلزام مالكي النصاب من المسلمين بدفع زكاة أموالهم للأصناف المذكورة، تتجسد في كونها تحقق مقاصد الشريعة، وتقرر أسس التكافل الاجتماعي بين الشرائح المكونة للمجتمع الإسلامي، ويتم من خلالها استشراف الآفاق الإنسانية في حركة المجتمع ومصالحه، ودفعها تجاه الاستقامة والالتزام بشريعة الإسلام وتعاليم النبوة الخاتمة.

هذا، ولما كان قد تقرر في أصول الشريعة، أن كنز المال وتجميده ليس وضعا صحيحا في حركته، وأن تشغيله هو الوضع الطبيعي والزكاة هي التنظيم العملي لهذه الدورة الاقتصادية، ولما كان سبحانه وتعالى قد حدد أصناف المستحقين وحقوقهم، إلا أنه لم يوكل أداء هذه الحقوق للأفراد أو يجعلها إحسانا شخصيا يؤديه من الناس من يؤمن بالله ربا ويرجو لقاءه، ويمنعه من ضَعُفَ يقينه بالآخرة وقلت خشيته لخالقه، بل جعل جبايتها نشاطا اجتماعيا تشرف عليه الدولة المسلمة، وترعاه وفق آلية تضمن استمرار عطائه وتضبط مسار إنفاقه، ليحقق الأغراض المشروعة والمصالح المستهدفة.

وعليه فإن جمع الزكاة ووضعها في مواضعها من مهمات الدولة الإسلامية وهو من أبرز عناوينها وألزم خصائصها وصفاتها، بحيث لا يمكن تصور دولة تنتسب للإسلام وهي لا تقيم للزكاة نظاما ولا تؤدي حقها، بمعنى أنه لا شرعية لنظام لا يقر بحق الله عز وجل في المال، قال سبحانه وتعالى: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم، إن صلاتك سكن لهم، والله سميع عليم} .

وبالطبع فإن هذا لا يعني أنه في حال عدم وجود الدولة الشرعية، ألا يطالب المسلم بما فرضه الله في ماله، بل يجب على مالك النصاب أن يدفع الحقوق لأهلها، وأن يجتهد في تحري مستحقيها، ويعرف الأنفع والأتقى في كل ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت