الصفحة 11 من 14

القول الأول للفقهاء: (في الامتناع مع الاعتقاد والإقرار بالوجوب) :

هذا الاتجاه يرى فيمن امتنعوا عن أداء الزكاة مع اعتقادهم لوجوبها وإقرارهم بها، أنهم يقاتلوا عليها مع بقائهم على الإسلام، وهم بهذا الشرط يعاملونهم كبغاة سواء أكان تأويلهم سائغا أم لم يكن، وعلى هذا فلا يكفر المانعون عندهم إلا بجحد ركن الزكاة، وكما لا يخفى فهذا قيد المرجئة العتيد الذي سحبوه على كل أنواع الكفر، ولم يفرقوا بين ما يشترط له هذا القيد من الذنوب وما لا يشترط له، وقد انصبغت بهذا الأصل فتاواهم وتحددت وجهتهم.

قال شيخ الإسلام رحمه الله: (واعلم أن طائفة من الفقهاء من أصحاب أبي حنيفة والشافعي وأحمد، جعلوا قتال مانعي الزكاة وقتال الخوارج جميعا من قتال البغاة ... وهذا القول خطأ مخالف لقول الأئمة الكبار، وهو خلاف نص مالك وأحمد وأبي حنيفة وغيرهم من أئمة السلف، ومخالفة للسنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم ... ) [منهاج السنة: 4/ 501 وما بعدها] .

وقال: (وإذا كان السلف قد سموا مانعي الزكاة مرتدين، مع كونهم يصومون ويصلون ولم يقاتلوا جماعة المسلمين) [مجموع الفتاوى: 28/ 531] .

وقال رحمه الله؛ أن الأركان ما عدا الشهادتين، في تكفير تاركها نزاع مشهور، ثم رجح كفره بترك واحدة منهن، وهو اختيار القاضي أبو بكر بن العربي وطائفة من أصحاب مالك [راجع المجلد 7/ 609 - 621] .

ثم قال: (والإمام أحمد في أكثر الروايات عنه وأوفقها لأصوله، أن تارك الأركان الأربعة عدا الشهادتين متعمدا كافر) [كتاب الإيمان: 354، وظاهرة الإرجاء د. سفر الحوالي: 2/ 683] .

وقال رحمه الله: (وتارك الصلاة والزكاة إذا قتل عند أحمد فهو عنده من قسم المرتدين، لأنه بالإسلام ملتزم لهذه الأفعال، فإن لم يفعلها فقد ترك ما التزمه، أو لأنها عنده من الغاية التي يمتد القتال إليها كالشهادتين، فإنه لو تكلم بأحدهما وترك الأخرى لقتل) [20/ 102 - 103] .

القول الثاني للفقهاء: (في الامتناع مع الجحد للوجوب) :

وهو اتجاه يستصحب أصلا لا يتصور أصحابه إنفكاكه عن الحكم على الممتنعين بالردة، فما دام الصحابة رضي الله عنهم سموهم مرتدين، فلا بد إذا أنهم قد جحدوا الأمر، وهكذا لتستقيم النتيجة فقد افترضوا لها مقدمة!

وقد استدلوا لذلك بقول الممتنعين: (كنا نؤديها لرسول الله، فصلاته سكن لنا، وليست صلاة أبي بكر سكن لنا) .

ونقول: إن ثبت هذا القول في حق الممتنعين فالصحيح أنه تأويل غير معتبر وليس بجحد، وقد تمهد في أصول الشريعة أن التأويل إذا كان مستساغا فهو مانع من موانع التكفير.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كلامه عن تأويلات التتر: (وليس لهم تأويل سائغ بالكتاب والسنة والإجماع ولكن لهم تأويل من جنس تأويل مانعي الزكاة والخوارج واليهود والنصارى) [مجموع الفتاوى: 28/ 486 - 487] .

وقال عنهم أيضا: (وقد اتفق الصحابة رضي الله عنهم والأئمة من بعدهم على قتال مانعي الزكاة، وإن كانوا يصلون الخمس ويصومون شهر رمضان، وهؤلاء لم يكن لهم شبهة سائغة، ولهذا كانوا مرتدين) [مجموع الفتاوى: 28/ 519] .

يجدر بالذكر أن نبين أن الذين قالوا بأنه لا يكفر الممتنع حتى يجحد وجوب الزكاة، قد اشتهر عندهم كلام صاحب كتاب"معالم السنن"الإمام أبي سليمان الخطابي رحمه الله، حيث قال: (إن تسمية مانعي الزكاة هو من المجاز والتغليب وأنهم بغاة ليسوا مرتدين لأنهم لم يجحدوا وجوب الزكاة) ، وقد نقله الإمام النووي في شرحه لمسلم.

والإمام ابن حجر عند شرحه لمقولة أبي هريرة رضي الله عنه: (وكفر من كفر من العرب) ، حيث قال رحمه الله: (وإنما أطلق الكفر في أول القصة ليشمل الصنفين، فهو في حق من جحد حقيقة، وفي حق الآخرين مجاز تغليبيا) [فتح الباري: 12/ 277] .

وقد وجد المتأخرون ضالتهم في هذا الكلام، إذ هو جار على أصول المرجئة في اشتراط الجحد للتكفير بأي ذنب، فجعلوه قاعدة وأصلا في الحكم على مرتكبي الذنوب، ولم يفرقوا بين أنواع هذه الذنوب، أي ما يشترط له"الاعتقاد"وما لا يشترط، فكانت فتاوى ومواقف وأهوال!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت