قال الله تعالى: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم} ، وقال سبحانه: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين} .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ( ... القرآن علق الأخوة في الدين على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، كما علق ذلك على التوبة من الكفر، فإذا انتفى ذلك انتفت الأخوة) [7/ 613] .
ومما لا شك فيه أن هذه النصوص تدل على كفر مانعي الزكاة وعدم توبتهم، ومن هنا فلا يجوز صرفها عن ظاهرها إلا بقرينة تدل على عدم إرادة المعنى الظاهر الذي هو الكفر، ولما كان أول ما يتبادر إلى ذهن السامع ظاهر المعنى، فإذا أردنا صرفها عن ظاهرها، فلا بد من حشد القرائن التي تمنع إرادة المعنى الأصلي، ولما كان قصد الشارع هو البيان والإرشاد، فإن تأويل النصوص بلا مسوغ هو صرف لها عن غايتها وتحريف لها عن وجهتها، مما يستلزم الاستدراك على الله سبحانه، إذ من المحال أن يقول شيئا ويريد به غير معناه ولا يبينه لنا!
قال سبحانه: {تلك آيات الكتاب وقرآن مبين} ، وبين أنها: {تبيانا لكل شيء} ، وأن فيها: {هدى للمتقين} .
قال الإمام ابن القيم رحمه الله: ( ... لو أراد الله ورسوله من كلامه خلاف حقيقته وظاهره الذي يفهمه المخاطب، لكان قد كلفه أن يفهم مراده بما لا يدل عليه، بل بما يدل على نقيض مراده) [الصواعق المرسلة: 1/ 314 - 317] .
وعليه فإن أخذ الآيات على ظاهرها هو من مقررات مذهب السلف الصالح رضوان الله عليهم.
وهو فقه عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه: (من أقام الصلاة ولم يؤت الزكاة فلا صلاة له) .
وقول سعيد بن جبير: (من ترك الزكاة متعمدا فقد كفر بالله) .
وكذا الحكم بن عيينه والضحاك، وهو إجماع الصحابة الذي قاتلوا به الممتنعين عن الزكاة وحكموا عليهم بالردة.
وفي سياق ضرورة ضبط مسلك التأويل، فقد عدد الإمام ابن القيم أهم وظائف المتأول، التي لا يقبل قوله إلا بها فذكر منها:
-بيان ذلك المعنى، فإنه إن أخرجه عن حقيقته قد يكون له معان، فتعيين ذلك المعنى يحتاج إلى دليل.
-إقامة الدليل الصارف للفظ عن حقيقته وظاهره، فإن دليل المدعي للحقيقة والظاهر قائم لا يجوز العدول عنه إلا بدليل صارف يكون أقوى منه.
-أن مدعي الحقيقة قد أقام الدليل، فإن جاز مخالفة الدليل القاطع، فمخالفة الشبه الخيالية أولى بالجواز، وإن لم يجز مخالفة تلك الشبه، فامتناع مخالفة الدليل القاطع أولى [الصواعق المرسلة: 1/ 288] .
وقال رحمه الله: (إن قصد المتكلم من المخاطب حمل كلامه على خلاف ظاهره وحقيقته، ينافي قصد البيان والإرشاد والهدى، وإن تركه بدون ذلك الخطاب خير له وأقرب إلى الهدى) [الصواعق المرسلة: 1/ 110] .
لقد فهم الصحابة رضي الله عنهم من ظاهر الآيات السالفة، أن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة مع التزام الإيمان وترك الشرك، هو الشرط في تخلية السبيل وعصمة الدم واستحقاق واجبات الأخوة من المؤمنين وجعلوا نقض ذلك موجبا للقتال على الكفر.
ولهذا قال أنس رضي الله عنه - وهو ممن أدرك ظهور المرجئة: (توبتهم خلع الأوثان وعبادة ربهم وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة) .
وهو ذات الفقه الذي سار عليه الحافظ أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله في قوله: (والمصدق) ، أي لما نقوله هو أن"جهاد أبي بكر الصديق رضي الله عنه بالمهاجرين والأنصار على منع الزكاة، كجهاد رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الشرك، سواء لا فرق بينهما في سفك الدماء وسبي النساء واغتنام الأموال، فإنما كانوا مانعين لها غير جاحدين بها" [الإيمان، مجموع الرسائل الأربع بتحقيق الشيخ الألباني رحمه الله] .