والدليل على تكفير أبي بكر الصديق لمانعي الزكاة هو قوله رضي الله عنه: (والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة) ، إذ قد استقر إجماع الصحابة على الحكم بكفر تارك الصلاة، ثم إنهم سووا بين تاركها وبين الممتنع عن الزكاة، فدلت التسوية على أن مانعي الزكاة كفار، وسووا بينهم تسوية مطلقة في الحكم والعقوبة - باستثناء تكفير مانع الزكاة المقدور عليه كما سيأتي -
وقد ثبت في الصحيح أن الصديق رضي الله عنه قد اشترط على وفد التائبين منهم أن يشهدوا أن قتلاهم في النار: (ويكون قتلاكم في النار) ، وقد قال قبلها: (ونغنم ما أصبنا منكم) [فتح الباري: 13/ 210] .
كما دل على التكفير قول أبو هريرة رضي الله عنه: (وكفر من كفر من العرب) .
وهو اختيار البخاري الذي ذكره في ترجمة الباب: (وما نسبوا إلى الردة) [نقلا عن الجامع في طلب العلم الشريف، للشيخ عبد القادر بن عبد العزيز: 2/ 459] .
وهو ما ذهب إليه المفتي الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله، عندما سئل"هل قتال مانعي الزكاة ردة؟"، فقال: (الصحيح أنه ردة، لأن الصديق رضي الله عنه لم يفرق بينهم، ولا الصحابة ولا من بعدهم) [فتاوى ورسائل الشيخ، نقلا عن كتاب الجامع: 2/ 460] .
وقد نقل إجماع الصحابة رضي الله عنهم على تكفير مانعي الزكاة؛ القاضي أبو يعلى رحمه الله في مسائل الإيمان بقوله: (وأيضا هو إجماع الصحابة وذلك أنهم نسبوا الكفر إلى مانعي الزكاة وقاتلوهم وحكموا عليهم بالردة) .
وكذا قاله القاضي أبو بكر الجصاص رحمه الله في أحكام القرآن عند تفسيره لقوله عز وجل: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم} : (وفي هذه الآية دلالة على أن من رد شيئا من أوامر الله تعالى أو أوامر رسوله صلى الله عليه وسلم، فهو خارج من الإسلام، سواء رده من جهة الشك أو ترك القبول والامتناع من التسليم، وذلك يوجب صحة ما ذهب إليه الصحابة رضي الله عنهم في حكمهم بارتداد من امتنع عن أداء الزكاة وقتلهم وسبي ذراريهم) [نقلا عن كتاب الجامع في طلب العلم الشريف: 2/ 460] .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وإذا كان السلف قد سموا مانعي الزكاة مرتدين، مع كونهم يصومون ويصلون ولم يقاتلوا جماعة المسلمين ... ) [مجموع الفتاوى: 28/ 531] .
وقال رحمه الله: (وتارك الصلاة والزكاة إذا قتل عند أحمد؛ فهو عنده من قسم المرتدين، لأنه بالإسلام ملتزم لهذه الأفعال، فإن لم يفعلها فقد ترك ما التزمه، أو لأنها عنده من الغاية التي يمتد القتال إليها كالشهادتين، فإنه لو تكلم بأحدهما وترك الأخرى لقتل) [20/ 102 - 103] .