الصفحة 7 من 14

وقد استدل بعض أهل العلم المعاصرين بأن تارك الزكاة لا يكفر، ومنهم الشيخ بن عثيمين رحمه الله، في كتابه حكم تارك الصلاة، فهو بعد أن حكم بكفر تارك الصلاة، قال: (والصلاة والزكاة موردهما واحد، إلا أن تارك الزكاة لا يكفر) .

وقد احتج بالحديث الذي رواه مسلم في صحيحه، قال صلى الله عليه وسلم: (ما من فضة ولا ذهب، لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، فأحمي عليها في نار جهنم فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة أو إلى النار) ، قيل: يا رسول الله فالإبل؟! قال: (ولا صاحب إبل لا يؤدي منها حقها، ومن حقها حلبها يوم وردها، إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر أوفر ما كانت، لا يفقد منها فصيلا واحدا، تطؤه بأخفافها وتعضه بأفواهها، كلما مر عليه أولها رد عليه آخرها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار) ، قيل: يا رسول الله فالبقر والغنم؟! قال: (ولا صاحب بقر ولا غنم لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر، لا يفقد منها شيئا، ليس فيها عقصاء ولا جلحاء ولا عضباء، تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها، كلما مر عليه أولها رد عليه آخرها، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار) ، قيل: يا رسول الله فالخيل؟! قال: (الخيل ثلاثة، هي لرجل وزر وهي لرجل ستر وهي لرجل أجر ... فأما الذي هي له وزر فرجل ربطها رياء وفخرا ونواء على أهل الإسلام فهي له وزر، وأما التي هي له ستر فرجل ربطها في سبيل الله ثم لم ينس حق الله في ظهورها ولا رقابها فهي له ستر، وأما التي هي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله لأهل الإسلام في مرج وروضة، فما أكلت من ذلك المرج أو الروضة من شيء إلا كتب له عدد ما أكلت حسنات وكتب له عدد أرواثها وأبوالها حسنات، ولا تقطع طولها فاستنت شرفا أو شرفين إلا كتب الله له عدد آثارها وأرواثها حسنات، ولا يمر بها صاحبها على نهر فشربت منه لا يريد أن يسقيها إلا كتب الله له عدد ما شربت حسنات) ، قيل: يا رسول الله فالحمر؟! قال: (ما أنزل علي في الحمر شيء إلا هذه الآية الفاذة الجامعة: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} ) .

ومحل الشاهد في هذا الاستدراك؛ أن هذا الحديث قد ورد فيما يخص المال من حق سوى الزكاة، كفك الأسير وإطعام الطعام للمضطر والمواساة في العسرة والنفقة للزوجة ووجوب الإعطاء في النائبة ووجوب حمل العاقلة وقضاء الديون وكسوة العاري، فرضا على الكفاية ... إلى غير ذلك من الواجبات المالية التي تنشأ بأسباب عارضة [ذكره ابن تيمية في الإيمان: 270] .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (إذا قدر أن قوما اضطروا إلى سكن في بيت إنسان، إذا لم يجدوا مكانا يأوون إليه إلا ذلك البيت فعليه أن يسكنهم، وكذلك لو احتاجوا ثيابا يستدفئون بها من البرد يبذل لهم مجانا، وإذا احتاجوا إلى أن يعيرهم دلوا يستقون به أو قدرا يطبخون به فعليه وجوب بذله مجانا، إذا كان صاحبها مستغنيا عن تلك المنفعة وعوضها كما دل عليه الكتاب والسنة، قال عز وجل: {فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون * الذين هم يراؤون * ويمنعون الماعون} ، وفي السنن عن ابن مسعود رضي الله عنه قال:"كنا نعد الماعون عارية الدلو والقدر والفأس"، وفي الصحيحين أنه لما ذكر الخيل قال:"... فأما الذي هي له أجر فرجل ربطها تغنيا وتعففا ولم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها"، وفي الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم قال في حق الإبل:"إعارة دلوها وإضراب فحلها"... وإيجاب هذه المنفعة مذهب أحمد وغيره ... ) [28/ 98 - 99] .

ولذا فإن قول الشيخ ابن عثيمين: (والصلاة والزكاة موردهما واحد) ؛ هو حق، إذ هما كالشهادتين، وعليه فلو تكلم بأحدهما وترك الأخرى لقتل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت