الصفحة 8 من 14

قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: (ومنهم من لا يقتله ولا يكفره إلا بترك الصلاة والزكاة، وهي رواية أخرى عن أحمد كما دل عليه ظاهر القرآن في براءة، وحديث ابن عمر وغيره، ولأنهما منتظمات لحق الحق وحق الخلق، كانتظام الشهادتين للربوبية والرسالة) [20/ 96] .

ومن هنا يتراءى لنا أن ما ورد في هذا الحديث غير متعلق بالزكاة ذات الحول والمقدار، وإليك مزيد بيان ...

في الصحيح أن رجلا قال يا رسول الله ما حق الإبل، فقال صلى الله عليه وسلم: (حلبها على الماء وإعارة دلوها وإعارة فحلها ومنيحتها وحمل عليها في سبيل الله) [مسلم بشرح النووي: 3/ 71] .

وعندما قيل له: (فالخيل؟!) ، قال صلى الله عليه وسلم: (ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة) [مسلم بشرح النووي: 3/ 55] .

قال القاضي عياض رحمه الله: (هذه الألفاظ صريحة في أن الحق غير الزكاة، وقال بعضهم: إنها منسوخة بفرض الزكاة، وذهب جماعة منهم الشعبي وطاووس وعطاء ومسروق ... وغيرهم إلى أنها محكمة وأن في المال حقا، من فك الأسير وإطعام المضطر والمواساة في العسرة وصلة القرابة ... ) [مسلم بشرح النووي: 3/ 71] .

قال القاضي بن العربي (تطلق الزكاة على الصدقة الواجبة والمندوبة، والنفقة والحق والعفو) [فتح الباري: 3/ 262] .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ( ... وأمروا بالزكاة والإحسان في مكة أيضا، ولكن فرائض الزكاة ونصبها إنما شرعت بالمدينة) [مجموع الفتاوى: 7/ 606] .

ومن هنا يتبين لنا؛ أن هذا الحق الواجب في المال هو غير الزكاة ذات الحول والمقدار، وأن ما يترتب على منع هذا الحق الواجب هو الذي وردت النصوص بذمه دون تكفيره، حيث توعده الشارع بالعقوبات قبل أن يصرف - إما إلى الجنة وإما إلى النار -

أما زكاة الحول والمقدار، فإن الممتنعين عن أدائها هما صنفان:

الصنف الأول: ممتنع بشوكة وقتال، وهو المرتد الذي حكمت النصوص بكفره، وأجمعت الصحابة رضوان الله عليهم على قتاله وتسميته مرتدا، ويستدل في الحكم على هؤلاء بقرينة الامتناع والمقاتلة، إلا وهي ...

والصنف الثاني: هو الممتنع عن أدائها بغير قتال وهذا النوع قسمان، القسم الأول بخل بها فتؤخذ منه عنوة مع تعزيره بعقوبة مالية، والقسم الثاني أداها إلى أهلها من غير طريق الإمام ولما كان بأدائها قد أسقط وجوبها عن نفسه، فإن العقوبة تكون لإفتآته على حق الإمام في جبايتها، فإن لم يكن هناك تفويض له بذلك فإنه يعزر، ويحال بينه وبين تكرار دفعها.

والعمدة في العقوبة المتعلقة بأصحاب القسم الأول، الذي تؤخذ الزكاة منه عنوة، ويعزر بمصادرة شطر ماله، هو قوله صلى الله عليه وسلم: (من أعطاها مؤتجرا فله أجرها، ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله، عزمة من عزمات ربنا لا يحل لآل محمد منها شيء ... الحديث) [أخرجه رزين وأبو داود والنسائي والحاكم والبيهقي وإسناده حسن، قال الإمام أحمد: صالح الإسناد] .

فإن صح هذا الحديث؛ فينبغي أن يفهم على ضوء ما تقدم من النصوص، حيث لم يكن ثمة تجمع ومقاتلة، وبهذا تكون العقوبة على تركه لواجب أداء الزكاة لا عن عدم دفعها بالكلية، وفي هذه الحالة لا يشق له عن صدر، أو يحكم عليه بغير أحكام الدنيا التي تجري على الظاهر.

قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: (إنما قاتلهم أبوبكر الصديق رضي الله عنه على طاعة الله ورسوله لا على طاعته، فإن الزكاة فرض عليهم، فقاتلهم على الإقرار بها وعلى أدائها ... ولهذا قال الإمام أحمد أبو حنيفة وغيرهما:"من قال أنا أؤدي الزكاة ولا أعطيها للإمام، لم يكن للإمام أن يقاتله، وهذا فيه نزاع بين الفقهاء") [منهاج السنة: 4/ 500] .

وقال رحمه الله: (إذا كانوا ممتنعين عن أدائها بالكلية، أو عن الإقرار بها فهو أعظم من قتال الخوارج) [منهاج السنة: 4/ 501] .

وقوله: (ممتنعين عن أدائها الكلية) ؛ يعني مطلقا، ويستدل على المنع المطلق بالاجتماع والمقاتلة، إذ بهما يتبين أنهم ممتنعين عن أدائها للإمام في ذات الوقت الذي لا يخرجونها بأنفسهم، وهو الكفر الذي نص عليه الإمام أحمد رحمه الله بقوله: (يكفر بقتاله عليها) ، لأنه بقتاله عليها يعرف الامتناع، فيحكم بالردة ويعامل بمقتضاها.

وهو عين ما نقله الإمام ابن القيم عن القاضي أبو يعلى رحمهما الله في قوله: (لو منعها مانع في وقتنا لحكمنا بكفره) [بدائع الفوائد: 3/ 104] .

فائدة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت