والصحيح الذي دلت عليه النصوص وإجماع الصحابة، أن من أتى بذنب مكفر، كفر دون النظر في جحد أو استحلال، فالجحد والاستحلال قيد على الذنوب الغير مكفرة"الكبائر"، فإذا استحل المحرم أو جحد الواجب فإنه يرتقي بها إلى درجة الكفر الأكبر"النواقض"، هذا مذهب الفقهاء وسائر أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل [راجع الصارم المسلول: 512، والشفا للقاضي عياض: 1/ 1072 - 1073، ط الحلبي بتحقيق البجاوي] .
-وأمر آخر يحسن بنا أن نتعرض له، وهو أن هؤلاء المانعين للزكاة طائفة ممتنعة ذات شوكة، فلا يجب علينا تبين الموانع في حقهم، فالممتنع لا يستتاب خلافا للمقدور عليه، فإنه لا يصح في حقه شيء قبل استتابته وتبين شروط التكفير وموانعه في حقه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (على أن الممتنع لا يستتاب، وإنما يستتاب المقدور عليه) [الصارم المسلول: 325 - 326] .
وكما لا يخفى فإن تبين الموانع داخل في مسمى الاستتابة، وأن الصحابة رضي الله عنهم لما رأوا أن تأويل الممتنعين عن الزكاة غير مستساغا، قاتلوهم ردة.
يبقى أن نشير إلى أن مقولة من جعل الجحد قيدا على الذنوب المكفرة - النواقض - فقد تداعت عليهم الشبه من آثار الفكر الإرجائي.
وهو ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: (إن من قال من الفقهاء أنه إذا أقر بالوجوب وامتنع عن الفعل، لا يقتل أو يقتل مع إسلامه، فإنه دخلت عليهم الشبهة التي دخلت على المرجئة والجهمية) [الفتاوى: 7/ 616] .
وقوله رحمه الله عن مقتصدة المرجئة: أن (بدعتهم من بدع الفقهاء ليست كفرية، وأما غالية المرجئة الذين يكفرون بالعقاب ويزعمون أن النصوص خوفت بما لا حقيقة له، فهذا القول عظيم) [الفتاوى: 20/ 104] .
(فما كانت المرجئة تعد إلا من أهل السنة والجماعة، وإنما انفرط أمرهم بما زادوه من الأقوال المغلظة، وإن المتأمل في قول الخوارج والمرجئة في معنى الإيمان، علم بالاضطرار أنه مخالف لقول الرسول صلى الله عليه وسلم ... ويعلم أنه لو قدر أن قوما قالوا للرسول نحن نؤمن بما جئتنا به بقلوبنا من غير شك ونقر بألسنتنا بالشهادتين، إلا أنا لا نطيعك في شيء مما أمرت به ونهيت عنه، فلا نصلي ولا نصوم ولا ... فهل كان يتوهم عاقل أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول لهم أنتم مؤمنون كاملوا الإيمان، وأنتم أهل شفاعتي يوم القيامة، بل كل مسلم يعلم بالاضطرار أنه سيقول لهم أنتم أكفر الناس بما جئت به، ويضرب رقابهم إن لم يتوبوا من ذلك) [بتصرف يسير من مجموع الفتاوى: 7/ 287] .
ومن هنا نعلم؛ (أن المنتسب للإسلام أو السنة في زماننا هذه وغيره من الأزمنة، قد يمرق من الإسلام والسنة ... حتى يدعي السنة من ليس من أهلها) [مجموع الفتاوى: 3/ 383] .
قال الإمام الآجري: (فإذا احتج محتج بالأحاديث التي وردت فيمن قال"لا إله إلا الله دخل الجنة"، قيل له هذه قبل نزول الفرائض، وهذا قول علماء المسلمين ممن نعتهم الله ورسوله بالعلم وكانوا أئمة يهتدى بهم سوى المرجئة الذين خرجوا من جملة ما عليه الصحابة) [الشريعة: 100 - 101] .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وقول الإمام أحمد:"إن الإسلام هو الإقرار"؛ يدل على أن هذا أول دخوله الإسلام، وأنه لا يكون قائما بالإسلام الواجب حتى يأتي بالخمس) [الإيمان: 318] .
وقال: (ولم يكن أحد يترك بمجرد الكلمة، بل المراد أنه إذا أتى بالكلمة دخل في الإسلام، وهذا صحيح) [الفتاوى: 7/ 258 - 259] .
القول الثالث للفقهاء: (في أن سبب الحكم بردتهم مترتب على ارتكاب كبائر ... ) :
لما كان الصديق رضي الله عنه قد قال للتائبين من المرتدين: (لا أقبلها حتى تشهدوا أن قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار) ، فقد قال البعض باحتمال أنه قال ذلك لأنهم ارتكبوا كبائر وماتوا من غير توبة، فحكم لهم بالنار ظاهرا!
وهذا توجيه خطأ، إذ كيف يسبى مرتكب الكبيرة، ويحكم عليه بالكفر ويشهد عليه بالنار، وهو عند أهل السنة تحت المشيئة إن لم يتب، فكيف يحكم الصديق بهذا وهو أعلم الصحابة بذلك؟!
قال الإمام ابن تيمية: (وقد اتفق أهل السنة والجماعة على أنا أبا بكر أعلم الأمة بالباطن والظاهر، وحكى الإجماع غير واحد) [13/ 237] .