وقال الإمام ابن القيم: (فإن اختلف أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، فالصواب مع أبي بكر، وهذه جملة لا يعرف تفصيلها إلا من له خبرة واطلاع على ما اختلف فيه الصحابة والراجح من أقوالهم) [أعلام الموقعين: 4/ 119] .
القول الرابع للفقهاء: (أن عمر لم يوافق أبا بكر في تكفير مانعي الزكاة ... ) :
ويستدلون على ذلك بأنه رد السبي إليهم في خلافته، وهذا أيضا خطأ، فإن رد السبي لا يدل ولا يستلزم القول بمخالفة أمير المؤمنين عمر لأبي بكر وجماهير الصحابة، فالفاروق لما رد سبي قوم مسيلمة الكذاب وطليحة الأسدي، لم يقل أحد أنه كان يخالف في كفرهم واستباحة قتالهم.
وفي هذا الصدد يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (وأهل الردة كان قد اتفق أبو بكر وعمر وسائر الصحابة، على أنهم لا يمكنون من ركوب الخيل ولا حمل السلاح، بل يتركون يتبعون أذناب البقر حتى يري الله خليفة رسول الله حسن إسلامهم، فلما تبين لعمر حسن إسلامهم، رد ذلك إليهم لأنه جائز) [منهاج السنة: 6/ 349] .
وقد نقل ابن جرير الطبري أن عمر رد السبي في خلافته لتعظيم أمر العرب، فإنه ( ... ليقبح بالعرب أن يملك بعضهم بعضا ... وجعل فداء كل إنسان سبعة أبعرة وستة أبعرة، إلا حنيفة وكندة فإنه خفف عنهم لقتل رجالهم) [تاريخ الطبري: 2/ 304 - 305] .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إنه لما (رأى عمر بن الخطاب كثرة السبي من العجم، واستغناء الناس عن استرقاق العرب، رأى أن يعتقوا العرب من باب مشورة الإمام أمره بالمصلحة، لا من باب الحكم الشرعي الذي يلزم الخلق كلهم) [مجموع الفتاوى: 19/ 19] .
ومن هنا يتضح للباحث المنصف؛ أنه لا دلالة في رد السبي، ولا في مناقشة أمير المؤمنين لأبي بكر وجماهير الصحابة على تردده أو مخالفته في تكفير الممتنعين عن الزكاة والموقف منهم، وأن الأمر لا يعدو أن يكون قد بدأ بتوقف ومر بمداولة وتشاور بين شيخي الصحابة رضي الله عنهم، ثم استقر الرأي على الجزم بتكفيرهم والعزم على مقاتلتهم كمرتدين، وهذا يعني الإجماع، وإن في توقفهم في بداية الحدث، لأكبر دليل على أن الممتنعين لم يكونوا جاحدين، وإلا لم يكن لتوقفهم معنى.
وقد رتبوا على ذلك أحكاما تظهر جليا أنه ثمة اختلاف جوهري بين دوافع مقاتلة المرتدين، والتفريق بينهم وبين البغاة، حيث قتلوا وسبوا وأجهزوا على الجرحى، وغنموا أموالهم ... الخ، ما يمكن أن يراجع في مظانه الفقهية، وهو ما يجعلنا نجزم بتخطئة التوجيه القائل بأنهم اتفقوا على القتال وبقي التكفير على النفي.
أما القول بأن قتالهم هو سبب لكفرهم؛ فهذا بعيد، لأن القتال لا يكون سببا للردة والكفر، وفي قتال البغاة حجة ومستمسك، إذ لا يكون القول أو العمل"القتال"سببا للكفر إلا إذا قام عليه دليل يبين أنه كفر، لكن تجمعهم وقتالهم دليل الامتناع، والامتناع هو سبب الكفر لا القتال.