هذا وقد ضعف النووي الوجه الثالث المروي عن مالك، بدعوى أن الخوارج عند الأكثرين لا يكفرون ببدعتهم، وتعقبه الحافظ في الفتح فقال: ولما قاله مالك وجه، وهو أن منهم من يكفر كثيرًا من الصحابة، ممن شهد له الرسول صلى الله عليه وسلم بالجنة والإيمان، فيكون تكفيرهم من حيث تكذيبهم للشهادة المذكورة، لا من مجرد صدور التكفير منهم بالتأويل. ثم قال: والتحقيق أن الحديث سيق لزجر المسلم عن أن يقول ذلك لأخيه المسلم، وذلك قبل وجود فرقة الخوارج وغيرهم. أهـ
وكذلك لا يدخل أيضًا تحت الوعيد المتقدم، من كفر من قارف سببًا من أسباب الكفر التي نص الله تعالى أو رسوله صلى الله عليه وسلم على تكفير فاعله بنص صريح. ثم ظهر له - رغم استفراغه الجهد في النظر في الشروط والموانع - أن مقترف ذلك السبب قد قام دون تكفيره مانع أو تخلف شرط من شروط التكفير، لم يظهر له حين كفره.
فإن هذا لا يشمله الوعيد المتقدم والحال كذلك، وليس هذا من الغلو في التكفير، خصوصًا إذا كان الدافع لتكفيره الغيرة على حرمات الشرع، لا الهوى والعصبية ونحوها.
ولذلك كان تبويب البخاري رحمه الله للأحاديث المتقدمة بقوله: باب من كفر أخاه [1] بغير تأويل فهو كما قال. ثم قال في الباب الذي يليه: باب من لم يرى إكفار من قال ذلك متأولًا أو جاهلًا [2] . وذكر فيه قول عمر رضي الله عنه لحاطب بن أبي بلتعة، إنه منافق، وحديث إطالة معاذ بن جبل صلاته في قومهم وقوله عن الرجل الذي تجوز وحده في الصلاة، أنه منافق.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد أن ذكر حديث (لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض) وحديث (إذا قال المسلم لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما) قال: وهذه الأحاديث كلها في الصحاح، وإذا كان المسلم متأولًا في القتال أو التكفير لم يكفر بذلك، كما قال عمر بن الخطاب لحاطب بن أبي بلتعة: يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق، ولم يكفر النبي صلى الله عليه وسلم لا هذا ولا هذا، بل شهد للجميع بالجنة ... ). [3] أهـ [مجموع الفتاوى 3/ 284]
وقال ابن القيم رحمه الله، في زاد المعاد (فصل في الإشارة إلى ما في فتح مكة من الفقه) : وفيها أن الرجل إذا نسب المسلم إلى النفاق والكفر متأولًا وغضبًا لله ورسوله ودينه لا لهواه وحظه، فإنه لا
(1) تأمل قوله: أخاه. أي المسلم، وليس المرتد.
(2) سبحان الله: إن مرجئة الزمان يلتمسون ألف عذرٍ وعذر لأجل سواد عيون طواغيت الحكم، بينما على العكس من ذلك مع من كفر أولئك الطواغيت فيكفرونهم دون الالتفات لتوفر شروط أو انتفاء موانع! ولقد وقفت على وصف بعضهم للشيخ الفاضل محمد بن محمد الفزازي بأنه طاغوت! حقًا كما قيل عنهم: مرجئة مع الحكام، خوارج مع الدعاة.
(3) فنقول للمرجئة: هل كفر حاطب؟! هل حار الكفر على عمر؟! - حشا لله -.