الصفحة 56 من 106

وكذلك يعذر بمانع الجهل من كان ببادية بعيدة نائية، قال تعالى: (لأنذكرم به ومن بلغ) [الأنعام: 19] وقال: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) [الإسراء: 15]

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: والتكفير هو من الوعيد، فإنه وإن كان القول تكذيبًا لما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم، لكن قد يكون الرجل حديث عهد بإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة، ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة. أهـ [مجموع الفتاوى 3/ 147 - 148]

وقال الشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله: فإن الذي لم تقم عليه الحجة هو الذي حديث عهد بالإسلام، والذي نشأ ببادية بعيدة، أو يكون في مسألة خفية مثل الصرف والعطف فلا يكفر حتى يعرف. [الرسائل الشخصية ص244]

وقال العلامة عبد القادر بن عبد العزيز - فك الله أسره وإلى الحق ردنا ورده: والمتواتر عن الشيخ [1] حسب النصوص المنقولة عنه وحسب ما نقله عنه علماء الدعوة أنه لا يعذر بالجهل في التوحيد من بلغه القرآن، وأنه لا يعذر إلا حديث العهد بالإسلام أو في المسائل الخفية، وكلامه في هذا متفق مع سائر الفقهاء في أنه يُرجع العذر بالجهل من عدمه إلى التمكن من التعلم من عدمه، فإن حديث الإسلام لم يتمكن من التعلم بعد وكذلك المسائل الخفية لا يصل علمها إلى كثير من العامة. قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله (فإن الذي لم تقم عليه الحجة هو الذي حديث عهد بإسلام، والذي نشأ ببادية بعيدة، أو يكون في مسائل خفية من الصرف والعطف فلا يكفر حتى يُعَرَّف، أما أصول الدين التي أوضحها الله وأحكمها في كتابه فإن حجة الله هو القرآن، فمن بلغه فقد بلغته الحجة) (الدرر السنية في الأجوبة النجدية ــ جـ 8 ــ كتاب المرتد ــ صـ 90) . هذه قاعدة الشيخ في العذر بالجهل من تتبعي لكلامه وكلام علماء الدعوة، وأي كلام آخر مطلق له يُحمل على هذه القاعدة. أهـ [الجامع في طلب العلم الشريف 2/ 616]

هذا هو الجهل المعجز أما غير المعجز فلا يُعذر به، والأدلة على ذلك أكثر من أن تذكر [2] ؛ وفي الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوم نوح عليه السلام لما عبدوا الأصنام: (فلما نُسي العلم عُبدت) أهـ فعُبدت وقت الجهل، فسُمّوا عابدين لغير الله مع جهلهم.

(1) أي: الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله.

(2) وما كفر النصارى إلا عن جهل، قال تعالى: (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) قال الشيخ عبد الرحمن السعدي في تيسير الكريم الرحمن: (المغضوب عليهم) الذين عرفوا الحق وتركوه كاليهود ونحوهم، (الضالين) الذين تركوا الحق عن جهل وضلال كالنصارى ونحوهم. أهـ بل قد أخبر تعالى بكفر أسلاف هؤلاء الحكام مع كونهم لا يعلمون فقال سبحانه: (الأعرابُ أشدُ كفرًا ونفاقًا وأجدرُ ألا يعلموا حدود ما أنزل اللهُ على رسولهِ) [الفاضحة: 97] قال الإمام القرطبي رحمه الله: لما ذكر جل وعز أحوال المنافقين بالمدينة ذكر من كان خارجًا منها ونائيًا عنها من الأعراب؛ فقال كفرهم أشد. قال قتادة: لأنهم أبعد عن معرفة السنن .. ولذلك قال الله تعالى في حقهم: (وأجدر) أي وأخلق. (ألا يعلموا حدود ما أنزل الله) أي فرائض الشرع. وقيل: حجج الله في الربوبية وبعثة الرسل لقلة نظرهم. أهـ بل ليتأمل المنصف تكنية رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي الحكم بأبي جهل!!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت