وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (القضاة ثلاثة: واحدٌ في الجنة واثنان في النار، فأما الذي في الجنة فرجلٌ عرف الحق فقضى به، ورجل عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار) [رواه الأربعة عن بُريدة رضي الله عنه، وصححه الحاكم] قال الشيخ العلامة عبد القادر بن عبد العزيز في تعليقه على قوله صلى الله عليه وسلم: (ورجل قضى للناس على جهل .. ) : وذكر الوعيد الوارد في حقه بما يدل على أنه لم يعذره بالجهل لتقصيره في طلب العلم الواجب عليه قبل اشتغاله بالقضاء. أهـ [الجامع في طلب العلم الشريف 1/ 59 وانظر غير مأمور الباب السادس من الكتاب نفسه ففيه ما يشفي العيّ] فكيف يُعذر هؤلاء الحكام وهم قد قصروا في طلب العلم الواجب عليهم قبل اشتغالهم بالحكم؟!!
ولذلك نص العلماء في قواعدهم الشرعية كما قال القرافي رحمه الله: إن كل جهل يمكن المكلف دفعه، لا يكون حجة للجاهل. أهـ [أنظر الفروق 4/ 264، وأيضًا 2/ 149 - 151] .
ويقول شيخ الإسلام رحمه الله مقيدًا العذر بالجهل بالشرط الذي ذكرت آنفا: ... إن هذا العذر لا يكون عذرًا إلا مع العجز عن إزالته، وإلا فمتى أمكن الإنسان معرفة الحق فقصر فيها، لم يكن معذورا. أهـ [مجموع الفتاوى: 20/ 280]
وقال ابن القيم: فكل من تمكن من معرفة ما أمر الله به ونهى عنه، فقصَّر عنه ولم يعرفه، فقد قامت عليه الحجة. أهـ [مدراج السالكين 1/ 239]
ويقول ابن اللحام رحمه الله: جاهل الحكم إنما يعذر إذا لم يقصر أو يفرط في تعلم الحكم، أما إذا قصر أو فرط فلا يعذر جزمًا. أهـ [القواعد والفوائد الأصولية ص (58) ]
ويقول العلامة الأصولي المفسر محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله: ... وأما القادر على التعلم المفرِّطُ فيه، والمقدم آراء الرجال على ما علم من الوحي، فهذا الذي ليس بمعذور. أهـ [أضواء البيان: 7/ 357] [1]
(1) وهذا فيه رد على من يعذر الحكام بحجة أنهم يتبعون آراء الرجال كعلماء السوء وأشباههم.