الصفحة 66 من 106

ويقول ابن رجب الحنبلي رحمه الله في كتاب (جامع العلوم والحكم ص495) : واتفق العلماء على أنه لو أكره على قتل معصوم لم يصح له أن يقتله، فإنه إنما يقتله باختياره افتداءً لنفسه من القتل، هذا إجماع من العلماء المعتد بهم. أهـ

وقال الإمام أبو بكر ابن العربي المالكي في كتاب أحكام القرآن 1/ 525: قوله تعالى: (ومن يفعل ذلك عدوانًا وظلمًا) [النساء: 30] دليل على أن فعل الناسي والخاطئ والمكره لا يدخل في ذلك، لأن هذه الأفعال لا تتصف بالعدوان والظلم، إلا فرع واحد منها وهو المكره على القتل، فإن فعله يتصف إجماعًا بالعدوان، فلا جرم يقتل عندنا بمن قتله، ولا ينتصب الإكراه عذرًا. أهـ

وقال الإمام أبو زكريا النووي في شرح صحيح مسلم 18/ 16: وأما القتل فلا يباح بالإكراه، بل يأثم المأمور به بالإجماع، وقد نقل القاضي وغيره فيه الإجماع. أهـ

ثم يا أيها القارئ لنفترض افتراضًا آخر لعل الافتراض الأول لم يُفرح أهل التجهم والإرجاء فسنفرحهم بهذا: نفترض أن شروط الإكراه توافرت في هؤلاء الحكام، ولم يختل شرط وأن الإكراه يعتد به ويقبل في قتل المسلمين وإباحة دمائهم ومناصرة الكفار عليهم، إلا إنه يجب أن يعلم أن الإكراه الذي يتحدث عنه العلماء هو النطق بكلمة الكفر أو فعله، ثم العودة إلى إظهار الإسلام .. أما الإكراه على الإقامة على الكفر والبقاء عليه .. فهذا لم يعتبروه ولم يجيزوه وفرقوا بينه وبين ما يعذرون به في أبواب الإكراه.

روى الأثرم عن أبي عبد الله - وهو الإمام أحمد - أنه سئل عن الرجل يؤسر، فيعرض على الكفر ويُكره عليه، أله أن يرتد؟ فكرهه كراهة شديدة، وقال: ما يشبه هذا عندي الذين أنزلت فيهم الآية من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أولئك كانوا يرادون على الكلمة ثم يتركون يعملون ما شاءوا، وهؤلاء يريدونهم على الإقامة على الكفر وترك دينهم. أهـ [1] من المغنى (كتاب المرتد) (فصل: ومن اكره على كلمة الكفر فالأفضل له أن يصبر ولا يقولها ... )

جزا الله الإمام أحمد عن الأمة كل خير فإن هؤلاء الحكام مقيمون على الكفر الظاهر البين المستبين، لا أنهم فعلوا فعلًا مكفرًا ثم تركوه لنتركهم وإكراههم المزعوم, بل هم مقيمون على الكفر، فإنا مقيمون على تكفيرهم ماداموا مقيمين.

ونفترض افتراض آخر - ولو أنا أكثرنا من الافتراضات -؛ لو أن جميع شروط قبول الإكراه توفرت في هؤلاء الحكام ولم يختل شرط، وأن الإكراه يعتد به ويقبل في قتل المسلمين وإباحة دمائهم، وأنهم لم يُقيموا على الكفر، إلا أنه يجب أن يُعلم أن الإكراه المعذور به شرعًا هو ذلك الإكراه مع الاطمئنان القلبي دون شرح الصدر للكفر، فإن شرح بالكفر صدرًا فذلك كافرٌ مرتد وإن كان مُكرهًا، والدليل قوله تعالى: (مَنْ

(1) وهؤلاء الحكام مقيمون على تحكيم غير الشريعة، والتشريع من دون الله، وعلى موالاة الكفار!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت