كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) [النحل: 106 - 107] وهؤلاء الحكام قد شرحوا صدورهم كل الانشراح للكفر والزندقة بل وشرحوا صدور الناس لذلك بالحديد والنار! ولقد اختلف أهل العلم في الأمور التي يكون فيها الإكراه من عدمه، فالبعض قال في القول والفعل، والبعض قال في القول فقط. أما القلوب فهي بين أصابع الرحمن، لا يستطيع أنسي ولا جني أن يُكره أحدًا على ما في قلبه، فلذلك لم يقل أحد بصحة الإكراه في الأمور القلبية. قال الإمام ابن عطية: وقوله تعالى: (شَرحَ بالكفر صدرًا) معناه: انبسط للكفر باختياره، ويُروى أن عمار بن ياسر شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما صنع به من العذاب، وما سامح به من القول، فقال له: (كيف تجد قلبك؟) قال: أجده مطمئنًا بالإيمان، قال: (فأجبهم بلسانك فإنه لا يضرك، وإن عادوا فعُد) [1] ، ويتعلق بهذه الآية شيء من مسائل الإكراه، أما من عذَّبه كافر قادر عليه ليكفر بلسانه، وكان العذاب يؤدي إلى قتله فله الإجابة باللسان قولًا واحدًا فيما أحفظ، فإن أراد منه الإجابة بفعل كالسجود للصنم ونحو ذلك ففي هذا اختلاف، فقالت فرقة وهي الجمهور: يجيب بحسب التقية [2] , وقالت فرقة: إن كان الصنم نحو القبلة أجاب واعتقد السجود لله. قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وما أحراه أن يسجد لله حينئذ حيثما توجه، وهذا مباح في السفر لتعب النزول عن الدابة في التنفل، فكيف بهذا؟ واحتجت فرقة على التفريق في المنع بقول ابن مسعود:"ما من كلام يدرأُ عني سوطين من ذي سلطان إلا كنتُ متكلمًا به"، فقصر الرخصة على القول دون الفعل. أهـ [تفسير ابن عطية"المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز 8/ 516 - 517] "
وقال الدكتور محمد نعيم ياسين: أن الإكراه لا ينفع أحدًا فيما يتعلق بالرضى القلبي والميل الباطني إلى الكفار فهذا غير مأذون فيه على أية حال، لقوله تعالى: (وقلبه مطمئن بالإيمان) ، ولأن الإكراه لا سلطان له على القلوب، ولكن محل العذر هو محل تأثير الإكراه، وهو النطق باللسان وفعل الجوارح. فمن والى الكفار بقلبه وميله إليهم فهو كافر على كل حال. فإن أظهر موالاته بلسانه أو بفعله عومل في الدنيا بكفره. أهـ [الإيمان ص 174]
وأخيرًا ينبغي أن يُعلم أن الإكراه شيء والخوف شيء آخر، فالإكراه المُلجئ مانع من موانع التكفير، أما الخوف فليس بمانع من موانع التكفير، فمن أرتكب الكفر بدافع الخوف يكفر بذالك المُكفر ولا خلاف في هذا بين أهل العلم:
قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين * فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى
(1) أنظر ما أخرجه ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، وغيرهم.
(2) أي لا يتمادى ولا يزيد.