الصفحة 71 من 106

ث الخطأ الغير متعمد [1] :

قد يقول قال: كيف يُعرف القصد من عدمه وهو أمرٌ قلبي؟! نقول: يعرف بالقرائن، كما يعرف العمد في القتل من عدمه بالقرائن [2] . [3] ولو أن رافضيًا إدعا حب الشيخين أبا بكرٍ وعمر مثلًا، وهو يشتمهما ويسبهما، هل يُصدق في دعواه أم لا؟ قولًا واحدًا أنه كاذبٌ في دعواه وأنه لا يُحبهما يقينًا. ولسائلٍ أن يسأل كيف حكمت بنفي الحب، والحب من أعمال القلوب، هلا شققتَ عن قلبه؟!!

نقول له: نعم إن الحب من أعمال القلوب، لكن القرينة الظاهرة لنا تدل على عدم الحب، إذ أن العلاقة بين الظاهر والباطن علاقة تلازم. [4]

فالخطأ مانع من موانع التكفير، كما قال تعالى: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَاتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ) [الأحزاب: 5]

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله تعالى تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) [أخرجه ابن ماجة والبيهقي وصححه الألباني]

ويوضحه ما رواه مسلم في صحيحه من حديث الرجل الذي أضل راحلته في أرض قفر، فلما وجدها قال: (اللهم أنت عبدي وأنا ربك) قال صلى الله عليه وسلم: (أخطأ من شدة الفرح) ، وقد ألحق بعض العلماء في

(1) بالمثال يتضح المقال: قال الشيخ عبد القادر بن عبد العزيز في التمثيل لمن يدخل تحت هذا المانع:

أ - كمن لا قصد له معتبر في الشريعة: كالصغير غير المميز والمجنون والنائم مهما أتوا.

ب - ومن أتى عملًا محتمل الدلالة على الكفر، فلابد من تبين قصده من العمل.

جـ - والمخطئ: وهو المكلف الذي أتى عملا صريح الدلالة على الكفر ولكن على وجه الخطأ لا العمد. كالذي قال (اللهم أنت عبدي وأنا ربك) فهذا قول مكفِّر، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم وصفه بأنه (أخطأ من شدة الفرح) الحديث متفق عليه. والخطأ معفو عنه كما قال تعالى (وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ماتعمدت قلوبكم) الأحزاب 5.

د - والمتأوِّل المخطيء: تأوّلا سائغا يُعذر به كما ذكرت في الموانع آنفا، لأنه غير متعمد.

فهذا هو القصد المعتبر في التكفير: قصد العمل المكفّر لا قصد الكفر. أهـ [الجامع في طلب العلم الشريف 2/ 576]

(2) قال صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: (والعمدُ قود، وشبه العمد ما قتل بالعصا والحجر وفيه مائة بعير) [أنظر السيرة لابن هشام 4/ 603، والبيان للجاحظ 2/ 38، والعقد لابن عبد ربه 4/ 58]

(3) ولو كان الأمر راجع إلى المتهم بالكفر؛ بأن يعترف ويقر أنه ما فعل الفعل المكفر إلا وهو قاصد أن يكفر به! كما يظن مرجئة العصر لما كفر أحد على هذه البسيطة!

(4) قال صلى الله عليه وسلم: (ألا إن في الجسد مُضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب) [رواه البخاري ومسلم عن أبي عبد الله النعمان بن بشير رضي الله عنهما] هذا هو الأصل، لكن يتخلف الظاهر عن الباطن في حالات: كالإكراه والنفاق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت