عسى أن يفرج كربتي لكفر بذلك، ولا يشترط أن يُسئل بعد ذلك هل تقصد الكفر بفعلك هذا أم لا؟، وقد أشرت إلى هذا عند الكلام في المحتملات.
أما عند الذين يشترطون قصد الكفر بالعمل المكفر: فَلَوْ أن رجلًا سَبَّ الله ورسوله، أو قال ما أظن أن الله يبعث مَنْ في القبور، أو قال ما أظن الساعة قائمة، أو قال إن الله هو المسيح بن مريم، ونحو ذلك من الأقوال المكفرة، وقال لم يعتقد قلبي على شيء من ذلك وما انشرح صدري بالكفر وما أردت الكفر بهذه الأقوال، فهذا الرجل لا يكفر عند الذين يشترطون قصد الكفر بالعمل المكفر وأنه لابد أن يقصد أن يكون كافرًا، وهذا شرط فاسد ويمكن أن يكون حيلة يدرأ بها كل كافر عن نفسه مهما أتى من الكفر، والصحيح أن من قال شيئا من الأقوال السابقة كفر وإن قال لم أقصد الكفر، واشتراط قصد الكفر بالعمل المكفر شرط باطل ترده النصوص الشرعية، وقال صلى الله عليه وسلم (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو ردّ) رواه مسلم .. أهـ [الجامع في طلب العلم الشريف 2/ 573 - 574]
وقد اخبر الله تعالى عن أكثر الكفار أنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، بل يرون أنهم أهدى من الذين آمنوا سبيلا.
فمن ذلك قوله تعالى: (قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالًا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنًا) [الكهف: 103 - 105]
يقول ابن جرير الطبري في تفسيره: وهذا من أدل الدلائل على خطأ من زعم أنه لا يكفر بالله أحد إلا من حيث يقصد إلى الكفر بعد العلم بوحدانيته. أهـ
وقال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ) [الحجرات: 2] قال الإمام ابن كثير رحمه الله: (أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ) أي: إنما نهيناكم عن رفع الصوت عنده خشية أن يغضب من ذلك، فيغضب الله لغضبه، فيُحبط الله عمل من أغضبه وهو لا يدري. أهـ وإن الذي لا يدري لم يقصد بقلبه أن تحبط أعماله لكنها أُحبطت، فتأمل!
والذين كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسيرهم إلى غزوة تبوك لما قال قائلهم قولته المشهورة: ما أرى قُراءنا هؤلاء إلا أرغبنا بطونا، وأكذبنا ألسنة، وأجبن عند اللقاء. أنزل الله سبحانه وتعالى من فوق سبع سماوات قرآنًا يُتلى إلى يوم القيامة: (ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم) [التوبة: 65 - 66]