فلم يكونوا يقصدون الكفر والخروج من الإسلام وإنما كانوا يقصدون المآنسة وقطع الطريق واللهو واللعب كما أقرهم الله على ذلك ولم يكذبهم وكما في مجموع الروايات .. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: فقد أخبر - سبحانه وتعالى - أنهم كفروا بعد إيمانهم مع قولهم: إنا تكلمنا بالكفر من غير اعتقاد له بل كنا نخوض ونلعب .. [مجموع الفتاوى 7/ 220] وقال أيضًا: فدلّ على أنهم لم يكونوا عند أنفسهم قد أتوا كفرًا، بل ظنوا أن ذلك ليس بكفر، فبيّن أن الاستهزاء بالله وآياته ورسوله كُفر يكفر به صاحبه بعد إيمانه، فدلّ على أنه كان عندهم إيمان ضعيف، ففعلوا هذا المحرم الذي عرفوا أنه محرم، ولكن لم يظنوه كفرًا، وكان كُفْرًا كفروا به، فإنهم لم يعتقدوا جوازه. أهـ [مجموع الفتاوى7/ 273] وقال الشيخ عبد القادر بن عبد العزيز - فك الله أسره وإلى الحق ردنا ورده: فهؤلاء المذكورون قالوا كلامًا مكفرًا - وهو الاستهزاء المذكور - ولم يقصدوا أن يكفروا به بدليل اعتذارهم بأنه (إنما كنا نخوض ونلعب) ولم يكذبهم الله في اعتذارهم فدل على أنهم كانوا يلعبون ولم يقصدوا الكفر بكلامهم، ولكن هذا العذر لم يمنع من الحكم بكفرهم بمجرد كلامهم كما قال تعالى (لاتعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم) . أهـ [الجامع في طلب العلم الشريف 2/ 574] وقال أيضًا: فهذه الآيات نص في موضع النزاع يبطل اشتراط قصد الكفر للحكم بالكفر، أي يبطل اشتراط نية الكفر، كما يدل النص على أن المرجع في الحكم على الأقوال والأفعال إلى الشريعة لا إلى مايظنه الناس بأعمالهم. أهـ [المصدر السابق]
وقد بوّب البخاري رحمه الله لمسألة:"عدم اشتراط قصد الكفر للحكم بالكفر"في كتاب الإيمان من صحيحه: (36 - باب خوف المؤمن من أن يحبط عملُه وهو لا يشعر) .
وفي شرح أحاديث الخوارج من الصحيح (كتاب استتابة المرتدين .. ) (باب من ترك قتال الخوارج .. ) : حديث (يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرميّة) .. قال الإمام ابن حجر رحمه الله تعالى: وفيه أن من المسلمين من يخرج من الدين من غير أن يقصد الخروج منه، ومن غير أن يختار دينًا على الإسلام. أهـ
ثم نقول للمرجئة:
أتعرفون أحدًا، سواءً كان نصرانيًا أو يهوديًا [1] أو بوذيًا أو هندوسيًا يعلم أنه على الكفر، أو أن أفعاله كفرية، أو أنه يقصد الكفر بها؟!
قال الشيخ فارس الزهراني فك الله أسره: وليس من موانع التكفير كون المرتدين وأنصارهم أو غيرهم من الكفار يعتقدون أنهم مؤمنون أو أنهم على حق فيما يرتكبونه من المكفرات ..
(1) قال الله تعالى: (وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى) [البقرة: 111] وقال تعالى: (وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا) [البقرة: 135] فكل ملة ونحلة كافرة ضالة يدعي أهلها أنهم مؤمنون وأنهم على حق! فكيف يُكفرون إذن وهم لم يقصدوا الكفر؟!!