الصفحة 108 من 130

فلما دهمهم الربيع العربي وخافوا ثورة الشعب رجعوا إلى خيار الانتخاب طائعين، وأعلنوا التزامهم باحترام اختيار الشعب!

هكذا تغيَّر الانقلابيون بين عشيَّةٍ وضحاها وأصبحوا مستعدين للتعايش مع الحزب الفائز ولو كان إسلاميًّا! وهذ التراجع هو إقرارٌ منهم واعترافٌ بأنَّ ذلك الانقلاب كان خيانةً للبلاد، وغدرًا بالعباد، وجريمةً تامة الأركان، وفعلًا عبثيًّا، وتصرُّفًا غبيًّا، وعملًا همجيًّا، وسلوكًا ظلاميًّا، يتحمَّلون وحدهم مسؤوليته في الدنيا ويوم يقوم الأشهاد.

وهنا نتوقف لحظةً لنشير إلى أنَّه لولا الحماية الدولية التي توفِّرها فرنسا ومعها حلف الناتو لحزبهم في الجزائر، ولو كان ضحاياهم غير أنصار المشروع الإسلامي، لكان هؤلاء المجرمون اليوم مطلوبين من طرف محكمة لاهاي الانتقائية التي كانت -ولا تزال- تتابع من هم أقل منهم إجرامًا وأخفُّ منهم إدانة،"ولكن حمزة لا بواكي له".

لا شكَّ أنَّ تتابع سقوط الأنظمة العربية الواحد تلو الآخر ثم تلك المشاهد المروِّعة لمصارع الظالمين هي التي أحدثت فيهم هذا الانقلاب، ودفعتهم إلى الإعلان عن جملةٍ من الإصلاحات السياسية، زعموا أنَّها تكون قادرةً على إحداث التغيير الذي ينشده الناس!

والحقيقية أنَّ هذه الإصلاحات سوف لن تكون مفيدةً للبلاد في شيء؛ لأنَّ الوضع فيها بلغ درجةً من التعفُّن والفساد صار معها عصيًّا على الإصلاح، ويحتاج إلى ثورةٍ شاملةٍ تُحدِث انقلابًا جذريًّا في كل الأوضاع.

ثم لو سلَّمنا أنَّ الإصلاح يُغني عن الثورة فإنَّه لن ينجح أبدًا ما دام من ورائه هؤلاء المفسدون، فهم من جنس الذين عناهم المولى عزَّ وجلَّ في قوله: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ) .

وما هذه التشريعيَّات القادمة إلا جزءٌ من منظومة إصلاحاتهم الفاسدة لا يُرجى منها خير أن تغيِّر من واقع البلاد والعباد شيئًا، سوى أنَّها ستكون مناسَبةً لتعرية هذه الأحزاب واكتشاف دجلها وفضح شعاراتها كما حدث مع التحالف المتواطئ السابق، وبما أنَّ التيار الإسلامي في العالم العربي عمومًا كان هو المستفيد الأول من هذه الثورات، فمن المتوقَّع أن يعود مشروع"الإسلام هو الحل"إلى الواجهة من جديد ليُطرح كبديل للنظام وللمشروع العلماني ككل، بحيث من المنتظر أن يعود الصراع كما كان في سنوات التسعينات من القرن الماضي محتدمًا بين التيار اللائك العلماني المتفرنس الذي تدعمه الدولة، وبين التيار الإسلامي الذي يدعمه الشعب المسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت