والعنسي ونحوهما من المتنبئين، فإنه كافر حلال الدم، فكذلك من تعمد الكذب على رسوله، ويبيِّن ذلك أن الكذب بمنزلة التكذيب له، ولهذا جمع الله بينهما بقوله تعالى: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبًا أو كذب بالحق لمّا جاءه} [العنكبوت: 68] .
بل ربما كان الكاذب عليه أعظم إثمًا من المكذِّب له، ولهذا بدأ الله به ... فالكاذب على الرسول كالمكذب له ...
وأيضًا فإن تعمّد الكذب عليه استهزاء به واستخفاف؛ لأنه يزعم أنه أمر بأشياء ليست مما أمر به، بل وقد لا يجوز الأمر بها، وهذه نسبة له إلى السَّفه، أو أنه يخبر بأشياء باطلة، وهذه نسبة له إلى الكذب، وهو كفر صريح.
وأيضًا فإنه لو زعم زاعم أن الله فرض صوم شهر آخر غير رمضان ... عالمًا بكذب نفسه كفر بالاتفاق، فمن زعم أن النبي صلى الله عليه وسلم أوجب شيئًا لم يوجبه، أو حرّم شيئًا لم يحرمه، فقد كذب على الله كما كذب عليه الأول، وزاد عليه بأن صرح بأن الرسول قال ذلك ...
فإذ كذب الرجل عليه متعمدًا، أو أخبر عنه بما لم يكن، فذلك الذي أخبر عنه نقص بالنسبة إليه، إذ لو كان كمالًا لوجد منه، ومن انتقص الرسول فقد كفر.
واعلم أن هذا القول في غاية القوة كما تراه، لكن يتوجه أن يفرّق بين الذي يكذب عليه مشافهة، وبين الذي يكذب عليه بواسطة، مثل أن يقول: حدثني فلان بن فلان عنه بكذا، فهذا إنما كذب على ذلك الرجل، ونسب إليه ذلك الحديث.
فأما إن قال: هذا الحديث صحيح أو ثبت عنه أنه قال ذلك عالمًا بأنه كذب، فهذا قد كذب عليه ... وعجّل عقوبته ليكون ذلك عاصمًا من أن يدخل في العدول من ليس منهم من المنافقين ونحوهم.
وأما من روى حديثًا يعلم أنه كذب فهذا حرام، كما صح عنه أنه قال: «من روى عني حديثًا يعلم أنه كذب فهو أحد الكاذبين» ، لكن لا يكفر إلا أن ينضم إلى روايته ما يوجب الكفر ...
القول الثاني: أن الكاذب عليه تغلّظ عقوبته، لكن لا يكفر ولا يجوز قتله؛ لأن موجبات الكفر والقتل معلومة، وليس هذا منها، فلا يجوز أن يثبت ما لا أصل له، ومن قال هذا فلابد أن يقيد قوله بأنه لم يكن الكذب عليه متضمنًا لعيب ظاهر، فأما إن أخبر أنه