فهذا الحديث يبين الحديث السابق.
قال أبو الفداء ابن كثير في «البداية» (9/ 192) : وهاتان الفئتان، هما: أصحاب الجمل وصفين، فإنهما جميعًا يدعون إلى الإسلام، وإنما يتنازعون في شيء من أمور الملك ومراعاة المصالح العائد نفعها على الأمة والرعايا، وكان ترك القتال أولى من فعله، كما هو مذهب جمهور الصحابة ا. هـ.
وقال أبو الفضل ابن حجر في «الفتح» (6/ 616) : والمراد بهما من كان مع علي ومعاوية لما تحاربا بصفين، وقوله «دعواهما واحدة» أي: دينهما واحد؛ لأن كلًا منهما يتسمى بالإسلام، أو المراد كلًا منهما كان يدعي أنه المحق. ا هـ.
قلت: قوله: «أو المراد أن كلًا منهما .. » هذا بعيد جدًا، وذلك لأنه ما من طائفتين يقتتلان في قديم الدهر وحديثه إلا وكل واحدة من الطائفتين تدعي أنها على الحق، فعلى هذا القول لا يكون للحديث فائدة [1] ؛ لأن هذا شيء واضح لا يحتاج إلى توضيح، وإنما الصواب ما قاله ابن كثير كما هو ظاهر.
ومما يؤيد الحديث السابق [2] ما رواه البخاري (2812) من حديث خالد عن عكرمة عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ويح عمار تقتله الفئة الباغية» [3] .
وأخرجه مسلم (2915) من حديث أبي سعيد عن أبي قتادة، و (2916) من حديث أم سلمة، وجاء من طرق أخرى خارج الصحيح.
ومما يوضح ما تقدم أيضًا ما رواه البخاري (2704) من حديث الحسن البصري قال: لقد سمعت أبا بكرة يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم والحسن بن علي إلى جنبه ويقول: «إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» وأخرجه أيضًا (3629) و (3746) و (7109) .
(1) ونعوذ بالله تعالى أن يكون كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم لغوًا.
(2) أي حديث أبي سعيد.
(3) هذه اللفظة موجودة في كل نسخ البخاري، وإنما في بعضها كما في «النسخة اليونينية» (6/ 25) فقد ذكر هذا في الأصل، ونفى هذا المزي كما في «الأطراف» (3/ 427) ، وقبله البيهقي كما في «دلائل النبوة» (2/ 546) ، ولكنها ثابتة في بعض النسخ كما تقدم، وقد نسبها إلى البخاري: ابن تيمية كما في «المنهاج» (4/ 414) و «الفتاوى» (4/ 433) ، وابن كثير في «البداية والنهاية» (10/ 538) .