ونحن إذا تأملنا هذا الإطلاق في هذه القاعدة: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} أدركنا أنها آية تتجاوز في هدايتها حدود الزمان والمكان .. وتتجاوز كل الأنظمة والقوانين التي كانت قائمة والتي ستقوم بعد ذلك!
إنها قاعدة تقطع الطريق على جميع المنهزمين والمتخاذلين من أهل الإسلام أو المنتسبين له، أو من الزنادقة، الذين يظنون ـ لجهلهم ـ أن هذا القرآن إنما هو كتاب رقائق ومواعظ، ويعالج قضايا محدودة من الأحكام! أما القضايا الكبرى، كقضايا السياسة، والعلاقات الدولية، ونحوها، فإن القرآن ليس فيه ما يشفي في علاج هذه القضايا!!
وهذا الكلام فضلًا عن كونه خطيرًا وقد يؤدي إلى الكفر، فإنه سوء أدب مع الله، ذلك أن ربنا ـ وهو العليم الخبير ـ يعلم حين أنزل القرآن أن العباد سيقبلون على متغيرات كثيرة، وانفتاح، وعلاقات، ومستجدات، فلم يتركهم هملًا، بل حفظ لهم هذا القرآن ليرجعو إلى هداياته، وحفظ لهم سنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - لتكون شارحةً لما أجمل من قواعد القرآن، بل وجعل في السنة أحكامًا مستقلة، فمن أراد الهداية وجدها فيهما، ومن كان في عينيه عشى، أو في قلبه عمى، فليتهم نفسه، ولا يرمين نصوص الوحي بالنقص والقصور:
قد تنكرُ العينُ ضوء الشمسِ من رَمَدٍ *** ويُنْكِرُ الفَمُ طَعْمَ الماء منْ سَقَم
ومن المواقف التي لا أنساها ـ وأنا أتحدث عن هذه القاعدة القرآنية المحكمة: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} ـ أن أحد العلماء لما طُلِبَ منه أن يلقي محاضرة حول هداية هذه القاعدة: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} قال في نفسه: وماذا سأقول عن هذه الآية في ساعة أو أكثر؟! فقررت أن أراجع كلام بعض المفسرين حولها، فبدأت بتفسير السعدي، فوجدته يقول:"يخبر تعالى عن شرف القرآن وجلالته وأنه يهدي للتي هي"