ومن تأمل في المواقف الإيجابية لأكابر العلماء ـ في عصور مختلفة ـ من الانحرافات التي تظهر في صور شتى، أدرك عظيم أثر العلماء إن صلحوا، وأخذوا الكتاب بقوة، كما سيدرك أثرهم السيئ إذا هم ركنوا إلى الضعف والهوان، {وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ} [الحج: 18] .
وكلُّ حديث عن أثر القدوة سلبًا وإيجابًا، فإن من أعظم تطبيقاته التي تُشاهد بل وتقرأ في التاريخ: هي حياة العلماء، الذين إنْ هم أخذوا هذا الكتاب بقوة صاروا أئمةً ليس لمن يشاهدهم فحسب، بل لمن يقرأ سيرهم وتراجمهم في كتب التاريخ، وإن هم تركوه، ونبذوه وراءهم ظهريًا فقد نزلوا من علياء مكانتهم ـ ورثة للأنبياء ـ إلى أخس المنازل: {كَمَثَلِ الْكَلْبِ} [الأعراف: 176] ، {كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا} [الجمعة: 5] .
ولقد عبر العلامة البشير الإبراهيمي عن هذه المعضلة، بكلمات هي نفثة مصدور، وشكوى مكروب، ولوعة محزون، أشار فيها إلى وصف هذا الداء بكلام العالم المكتوي بهذه المصيبة، حيث يقول - رحمه الله:
"وما زاد المسلمين ضلالًا عن منبع الهداية وعماية عنها، إلا فريق من العلماء وضعوا أنفسهم موضع القدوة والتعليم، وطوائف من غلاة المتصوفة، انتحلوا وظيفة التربية والتقريب من الله، فهم الذين أبعدوهم عن القرآن، وأضلّوهم عن سبيله بما زينوا لهم من اتباع غير سبيله، وبما أوهموهم أنه عالٍ على الأفهام، وما دروا بأن من لازم هذا المذهب كفرٌ، وهو أنه إذا كان لا يفهم فإنزاله عبث، وأنى يكون هذا؟! ومُنزلُه ـ تعالت أسماؤه ـ يصفه بأنه عربي مبين، وأنه غير ذي عوج، وأنه ميسر للذكر، وينعته بأنه يهدي للتي هي أقوم، وكيف يهدي إذا كان لا يفهم؟."
ومن عجيب أمر هؤلاء وهؤلاء أنهم يصدرون في شأن القرآن عن هوى لا عن بصيرة، فبينما يسدّون على الناس باب الاهتداء به في الأخلاق التي تزكي