الصفحة 13 من 37

فَأَصْبَحَ طَلْحَةُ يُحَدِّثُ بِهِ النَّاسَ فَعَجِبُوا لِذَلِكَ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَدَّثُوهُ الْحَدِيثَ فَقَالَ:"مِنْ أَيِّ ذَلِكَ تَعْجَبُونَ؟"

فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا كَانَ أَشَدَّ الرَّجُلَيْنِ اجْتِهَادًا ثُمَّ اسْتُشْهِدَ وَدَخَلَ هَذَا الْآخِرُ الْجَنَّةَ قَبْلَهُ!

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلَيْسَ قَدْ مَكَثَ هَذَا بَعْدَهُ سَنَةً؟

قَالُوا: بَلَى.

قَالَ: وَأَدْرَكَ رَمَضَانَ فَصَامَ وَصَلَّى كَذَا وَكَذَا مِنْ سَجْدَةٍ فِي السَّنَةِ؟

قَالُوا: بَلَى.

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَمَا بَيْنَهُمَا أَبْعَدُ مِمَّا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ" [1] ."

نعم إنَّ ما بين الرجلين أبعد مما بين السماء والأرض مع أنهما أسلما معًا وكان الأول منهما أشد عبادة من صاحبه وقد سبقه بالشهادة ولكن الآخر بقي بعده سنة كاملة يصلي ويصوم ويجاهد ويقوم ويذكر الله ويتصدق ويتعلم ويعلم ويدعو ويأمر وينهى وبقي يعبد ربه حتى أتاه اليقين من ربه، فطال عمره وحسن عمله فسبق بذا صاحبه، وفي الحديث فضل الحياة مع الأعمال الصالحة، وليس هذا تزهيدًا في الشهادة وطلبها وإنما هو لفت انتباه لرسالة المسلم الخالدة، ألا وهي عمارة الدنيا وصناعة الحياة.

ولطالما سمعت من الدعاة عبارة"نحن قوم نعشق الموت"وكنت ولا زلت أرى عدم صواب هذه الكلمة، فمن الذي قال بأننا نحب الموت ونكره الحياة، كيف والله تعالى خلقنا لعمارةِ الدنيا وإقامةِ الشرع وخلافةِ الأرض فقال سبحانه وتعالى [وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] [2] بل إننا نحب الحياة الدنيا فهي عندنا مزرعة الآخرة وهي حلوة خضرة نعمرها بذكر الله وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وغيرنا إن ورث الأرض أفسدها.

(1) - أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب تعبير الرؤيا، 3925، وقد ذكره الشيخ الألباني في صحيح سنن ابن ماجه 345/ 2

(2) - البقرة: 30

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت