الصفحة 14 من 37

ولا أظن نفسي مجانبًا للصواب إن قلت: إننا نحن المؤمنين نحب الحياة فهي ممرنا إلى لقاء الله في الآخرة وهي محط استخلاف الله لنا فيها وكذلك نحن المؤمنين نكره الموت، نعم نكره الموت!

وهذه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تبوح بهذا دون مواربةٍ أو خفاءٍ، ففي صحيح مسلم عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ فَكُلُّنَا نَكْرَهُ الْمَوْتَ ... ] [1]

وكراهيتنا للموت هنا ليست لأننا لا نحب الانتقال إلى الدار الآخرة وما فيها من نعيم مقيم، وإنما هي كراهية للنصب والتعب الذي نلاقيه في الموت وعند بسط الملائكة أجنحتها لقبض الأرواح وانتزاعها من الأجساد، ثم نزول القبر والضم فيه ومعاناة الظلمة والوحشة وانتظار فصل القضاء إلى آخر ما بعد الموت من غُصَصِ يوم القيامة أعاذنا الله منها.

ويؤيد كراهيتنا للموت الحديثُ القدسي، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"إِنَّ اللَّهَ قَالَ [ ... وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ] [2] ."

يقول الإمام ابن حجر رحمه الله معلقًا وشارحًا:

"عَبَّرَ بعضُهم عن هذا بأنَّ الموت حتم مقضي , وهو مفارقة الروح للجسد , ولا تحصل غالبًا إلا بألمٍ عظيمٍ جدًا، كما جاء عن عمرو بنِ العاص أنه سُئِلَ وهو يموت فقال:"كأني أتنفس من خُرْمِ إِبْرَةٍ , وكأنَّ غصنَ شوك يُجَرُّ به مِنْ قامتي إلى هامتي"فلما كان الموت بهذا الوصف - والله يكره أذى المؤمن - أطلق على ذلك الكراهة" [3]

(1) - أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، رقم 157

(2) - أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب التواضع، رقم 6502

(3) - انظر: فتح الباري شرح صحيح البخاري للإمام ابن حجر العسقلاني: 354/ 11 ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، تحقيق: محب الدين الخطيب، دار الريان والكتب السلفية، الطبعة الثالثة 1407 هـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت