ويزداد الأمر غرابة في عيون بعضهم عندما يدعوا لي بالشهادة فأقول: ليس الآن لا أريد الشهادة في هذا الوقت فإذا ما سئلت لم؟ قلت: لقلة الأعمال الصالحة ولعلي إن طال عمري أن يحسن عملي فأصلى وأصوم وأبني وأعمر وأشيد وأنفق وأجاهد وأرابط وأداوي وأواسي وتقر عيني بنصر الإسلام وتحرير بيت المقدس من أيدي اليهود الغاصبين، ثم ليختم لي بالشهادة في سبيل الله بعدها والله راضٍ.
ولئن لم أُحَصِّلِ الشهادةَ في سبيل الله على أرض المعركة فإنَّ نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم لم يحرمنا الأجر بنياتنا الصادقة - والله يعلم ذلك -، فقد ثبت من حديث سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ [مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ] [1] .
فالموت ليس غايةً ولا هدفًا ولكنًّ الحياة وعمارتها غايةٌ وهدف، فالسلامة والغنيمة مع صلاح الدين والدنيا خير من الشهادة وانقطاع موسم الأجر ويشهد لهذا حديثُ أبي أمامة رضي الله عنه قَالَ: أَنْشَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَزْوَةً فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ لِي بِالشَّهَادَةِ، فَقَالَ: [اللَّهُمَّ سَلِّمْهُمْ وَغَنِّمْهُمْ]
قَالَ فَسَلِمْنَا وَغَنِمْنَا قَالَ ثُمَّ أَنْشَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَزْوًا ثَانِيًا فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ لِي بِالشَّهَادَةِ، فَقَالَ [اللَّهُمَّ سَلِّمْهُمْ وَغَنِّمْهُمْ] .
قَالَ ثُمَّ أَنْشَأَ غَزْوًا ثَالِثًا فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَتَيْتُكَ مَرَّتَيْنِ قَبْلَ مَرَّتِي هَذِهِ فَسَأَلْتُكَ أَنْ تَدْعُوَ اللَّهَ لِي بِالشَّهَادَةِ فَدَعَوْتَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُسَلِّمَنَا وَيُغَنِّمَنَا فَسَلِمْنَا وَغَنِمْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَادْعُ اللَّهَ لِي بِالشَّهَادَةِ، فَقَالَ [اللَّهُمَّ سَلِّمْهُمْ وَغَنِّمْهُمْ]
قَالَ فَسَلِمْنَا وَغَنِمْنَا ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مُرْنِي بِعَمَلٍ، قَالَ [عَلَيْكَ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ] ، قَالَ فَمَا رُئِيَ أَبُو أُمَامَةَ وَلَا امْرَأَتُهُ وَلَا خَادِمُهُ إِلَّا صُيَّامًا، قَالَ فَلَبِثَ بِذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمَرْتَنَا بِالصِّيَامِ فَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدْ بَارَكَ اللَّهُ لَنَا فِيهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ
(1) - أخرجه الإمام مسلم في صحيحه كتاب: الإمارة، باب: استحباب طلب الشهادة في سبيل الله، رقم 1909