الصفحة 16 من 30

طينته)، فإنّ الله بعد خلق آدم، وقبل نفخ الروح فيه، كتب وأظهر ما سيكون من ذريته، فكتب نبوة محمد وأظهرها، كما ثبت في الصحيحين عن النبي (- صلى الله عليه وسلم -) قال: (يجمع خلق أحدكم في بطن أمّه أربعين يومًا نطفة، ثمّ يكون علقة مثل ذلك، ثمّ يكون مضغة مثل ذلك، ثمّ يبعث إليه ملكًا فيؤمر بأربع كلمات، فيقال اكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد، ثمّ ينفخ فيه الروح، فقد أخبر أنّه بعد أن يخلق بدن الجنين في بطن أمّه، وقبل نفخ الروح فيه، يكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقيّ أو سعيد. فهكذا كتب خبر سيد ولد آدم، وآدم منجدل في طينته قبل أن ينفخ الروح"."

روى هذا الحديث هدبة بن خالد فقال: ثنا حماد بن سلمة، ثنا خالد الحذاء، عن عبد الله بن شقيق، عن رجل بلفظ (متى بعثت نبيًا) قال: (وآدم بين الروح والجسد) . (انظر الآحاد والمثاني 5/ 347 والسنة 1/ 179) .

والذي يظهر للباحث المتأمل أنّ هذه اللفظة (بعثت) خطأ شذّ به هدبة بن خالد، رحمه الله، لم يتابعه فيه أحد، فهدبة، وإن كان ثقة لم يضعّفه غير النسائي، وتضعيف النسائي له غريب، فقد خالفه الجماعة ممّن رووا هذا الحديث عن حمّاد بن سلمة، منهم سريج بن النعمان كما في المسند 4/ 66 و 5/ 379، وعفّان بن مسلم، وعمرو بن عاصم كما طبقات ابن سعد الكبرى 1/ 148، فهؤلاء ثلاثتهم خالفوا هدبة في روايتهم عن حماد، فرواه سريج بلفظ (متى جعلت نبيًا) ، ورواه الآخران بلفظ (متى كنت نبيًا) وهكذا رواه جمع من غير طريق حماد بن سلمة، وحديث سريج بمعناه، والله أعلم.

ولو صحّ أنّ لفظ (بعثت) محفوظ فلا إشكال في معناه. فمعناه: متى أبرز اسمك، وأعلنت نبوتك؟ فأجاب (- صلى الله عليه وسلم -) : (وآدم بين الروح والجسد) . أي كنت نبيًا مقدرًا ومكتوبًا أعلن ذلك وأذيع، وآدم في تلك الحال. كما صحّت بذلك الروايات الأخرى، فتكون مبينة لهذه، والله أعلم.

أمّا الحديث الآخر الذي يروونه بلفظ: (كنت نبيًا وآدم بين الماء والطين) ، ومثله (كنت نبيًا ولا آدم ولا ماء ولا طين) فحديث باطل موضوع لا أصل له، ولا يستقيم مع عقل.

وقد زعم العلقمي في شرح الجامع الصغير أنّه صحيح. ولعلّه اختلط عليه مع حديث (وآدم بين الروح والجسد) ، كما اختلط على المناوي في فيض القدير، فظنّ أنّ معناهما واحد، فصحّحه به. والصحيح أنّ حديث (وآدم بين الماء والطين) أو (ولا آدم ولا ماء ولا طين) ليس له سند، ولم يخرجه من أهل العلم أحد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت