والذي يمكن الإشارة إليه أن المفسرين ذكروا أسبابا لنزول السورة (50) وهي على اختلافها لا تبعد عما فسرنا وحملنا عليه النص القرآني المذكور.
قال تعالى: (( وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين، فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين ) ) (البقرة:23 ـ 24)
ظاهر النص القرآني أن قوله تعالى (( ولن تفعلوا ) )جملة اعتراضية بين الشرط (( فإن لم تفعلوا ) )وجوابه (( فاتقوا النار ) )والى هذا ذهب كثير ممن تحدثوا عن الآية (51) وهنا يجب النظر إلىأمور عدة ممهدة لما نريد إبداءه من رأي ومنها:
1 ـ أن معنى قوله تعالى: (( فاتقوا النار ) ): أي اتركوا العناد فهو كناية عن العناد أو معناه صدقوا بالرسول (ص) وبنبوته واسلموا أو (( فاحذروا أن تصلوا النار بتكذيبكم ) ) (52) وغيره مما هو ملائم لهذا المعنى.
2 ـ أن جملة (إن لم تفعلوا) تحتمل الشك الذي فرضته الأداة (إن) على السياق أي إن الجملة واقعة في نطاق أداة الشرط المعبرة عن الشك (إن) أي إنكم ربما تفعلون أو لا تفعلون فإذا قلت لطفلك: إن لم تصرف النقود فأعدها، يعني انه ربما يصرف النقود فلا يعيدها، قال
الزركشي (( جيء ب"إن"التي للشك وهو واجب، دون"إذا"التي للوجوب ) ) (53) . وقال النسفي: (537 هـ) (( إن لفظ الشرط للتردد فقطع التردد بقوله ولن تفعلوا فإن لم تفعلوا فاتقوا النار ) ) (54) .
3 ـ أن (لم) تغير زمن المضارع إلى الماضي فتحتمل الآية دلالة (إن لم تفعلوا) في الزمن الماضي أو فيما مضى.
4 ـ أن حصول جواب الشرط متعلق بالشرط تقول: إذا جاء زيد جاء علي فمجيء علي متحقق عند مجيء زيد.
وعلى وفق هذه المعطيات فإن جملة (إن لم تفعلوا) لا تصلح شرطا لقوله تعالى (فاتقوا النار) لأن المعنى سيكون عدم معارضتكم للقرآن ـ مع الشك والتردد الذي فرضته (إن) ـ فيما مضى من زمن توجب عليكم الدخول في الإسلام وترك العناد وعدم تكذيب الرسول (ص)
وعلى وفق هذا فإن المشركين غير ملزمين باتقاء النار (الدخول في الإسلام وترك العناد) لأنهم قد يعارضون القرآن فيما سيأتي من الزمن، وعلى وفقه أيضا يكون الخطاب مخصصا لجيل من المشركين دون الأجيال الأخرى، فلو وجد مشركون في زمن ما فإنهم سيقولون إننا غير مشمولين بهذا التحدي وعندها لا يلزم علينا اتقاء النار (الدخول في الإسلام او ترك العناد او غيره) لأن الشرط لا دليل فيه على تحدي الأمم في الأزمان المختلفة و (( جدير بالذكر أن تحدي القرآن لا ينحصر بزمان أو مكان، بل إن هذا التحدي قائم حتى يومنا هذا. ) ) (55) (( لأن من أيامه عليه الصلاة والسلام إلى عصرنا هذا لم يخل وقت من الأوقات ممن يعادي الدين والإسلام وتشتد دواعيه في الوقيعة فيه ) ) (56) .
وعلى وفق هذا فإن جملة (لن تفعلوا) مطلوبة لذاتها في الشرط وهي متممة لجملة الشرط بل هي جزء لا يتجزأ من جملة الشرط فهي تزيل الشك الذي وقعت جملة الشرط في نطاقه بسبب الأداة (إن) في صدر الجملة بل تؤكد عدم المعارضة لـ (( أن في(لن) توكيدا وتشديدا )) (57) ولـ (( أن لفظ الشرط للتردد فقطع التردد بقوله (( ولن تفعلوا ) )فإن لم تفعلوا فاتقوا النار )) (58) وتزيل تحديد زمن الشرط بالماضي وتضيف له زمن المستقبل غير المقيد (المستقبل المؤبد) الذي فرضته الأداة (لن) وتجعل الشرط في الآية منسجما دلاليا مع جواب الشرط فهي تجعل الشرط في الآية غير متحقق فيجب تحقق جواب الشرط، أي: أنها تجعل عدم المعارضة مستحيلة فيتعين اتقاء النار (الدخول في الإسلام او ترك العناد أو غيره) وتجعل من الآية صالحة لكل العصور وتجعل الخطاب فيها لمطلق المشركين من كل الأجيال والعصور.
فضلا عما أضافته من (( دلالة على صحة نبوته لأنه يتضمن الأخبار عن حالهم في المستقبل بأنهم لا يفعلون ولا يجوز لعاقل أن يقدم على جماعة من العقلاء يريد تهجينهم فيقول: أنتم لاتفعلون، إلا وهو واثق بذلك ويعلم
ان ذلك متعذر عندهم وينبغي أن يكون الخطاب خاصا لمن علم الله انه لا يؤمن ولا يدخل فيه من آمن فيما بعد وإلا كان كذبا )) (59)
فضلا عما أضافته من تعجيز لأن قوله تعالى (فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا) مبالغة في التعجيز والإفحام ومن غير
(لن تفعلوا) لا تتحقق تلك المبالغة المطلوبة التي يستلزمها جواب الشرط (فاتقوا النار) المتضمن مبالغة في الوعيد (60) فضلا عن الـ (( إثارة لهممهم ليكون عجزهم بعد ذلك أبلغ وأبدع ) ) (61) .
وبعد هذا فهل الجملة اعتراضية؟. ولعل سؤالا يطرح إذا كان الشك في (إن لم تفعلوا) غير مقصود فلماذا جاء به الله تعالى؟
ولعل القصد هو أن تكون الأداة لن وما بعدها (لن تفعلوا) مطلوبة لذاتها لتضيف للنص ما ذكرناه من معان أي أن يكون النظم مترابطا فتكون (لن تفعلوا) في موقع تركيبي يستلزم وجودها لأداء المعان المذكورة، وقد قيل: (( وإنما أتى ب(إن) الذي للشك دون (إذا) الذي للوجوب مع أن ظاهر الحال يقتضي ذلك، تهكما بهم تهكم الواثق بغلبته على من يعاديه، حيث يقول له: إن غلبتك لم ابق عليك، أو خطابا معهم على حسب ظنهم، فإن العجز قبل لم يكن محققا عندهم، أو حفظا لمشاكلة صدر الآية السابقة. )) (62) أو (( سوقا للكلام على حسب حسبانهم أن معارضته فيها للتهكم، كما يقوله الواثق بغلبته على من يعاديه:"إن غلبتك"، وهو يعلم أنه غالبه تهكما به ) ) (63) . لكن السياق ليس سياق تهكم، لكننا لو جعلنا جملة الشرط (( فإن لم تفعلوا لوحدها من غير جملة(ولن تفعلوا) فان جملة جواب الشرط (( فاتقوا النار ) )غير متحقق أي: إنهم غير ملزمين باتقاء النار (الدخول في الإسلام أو ترك العناد أو غيره) لأنهم قد يعارضونه في قابل أيامهم أو في زمن ما غير زمانهم
ذهب كثيرون إلى أن قوله تعالى: (( أم يقولون افتراه قل إن افتريته فعلي إجرامي وأنا بريء مما تجرمون ) ) (هود: 35) جملة اعتراضية (64) بين قوله تعالى (( قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من