فرعون وهامان والجنود ليسوا من الآل، فيكون ذكرهما خارجا عن القصة ومعترضا فيها، وعلى هذا التفسير تكون الجملة اعتراضية في القصة.
والحقيقة أن الآل تطلق ويراد بها معان عدة منها قومه وأتباعه وأهل دينه (39) (( ويستعمل فيمن يختص بالإنسان اختصاصا ذاتيا إما بقرابة قريبة أو بموالاة ) ) (40) (( قال الأخفش لا يضاف إلا إلى الرئيس الأعظم نحو آل محمد ـ صلى الله عليه [وآله] وسلم ـ وآل فرعون لأنه رئيسهم في الضلالة ) ) (41) وعلى هذا فإن فرعون وهامان وجنودهما ليسوا غرباء عن القصة فهم من الآل، وهم من الذين التقطوا موسى (ع) ثم إن سياق الآية ينص على أنهم خاطئين في التقاط موسى إذإنهم التقطوا من صار بعد ذلك لهم عدوا وحزنا لأن التقاطهم له كان سببا
في البقاء على حياته (42) وعندئذ لا تكون الجملة اعتراضية وإنما هي من صميم القصة
وإذا فسرت خاطئين على مشركين كما فسرها ابن عباس (43) لم تكن الجملة اعتراضية لأن المعنى يكون فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا أنهم مشركون فالشرك كان سببا في أن جعل الله لهم موسى عدوا وحزنا وعندئذ
(القصص: 8) من صميم القصة وهي تعليل لما قبلها.
ولو فسرنا الآية على أنهم خاطئين في كل شيء فتكون تعليلا لأنْ جعل الله لهم موسى عدوا وحزنا، فلا اعتراض أيضا لأن السبب تابع للمسبب، وعلى هذا فان ظاهر النص خدع من قال انها اعتراضية وعند التدقيق يتبين انها من صلب القصة.
وفي قوله تعالى: (( وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير وأحضرت الأنفس الشح وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا ) ) (النساء: 128)
قيل عن قوله تعالى (( والصلح خير وأحضرت الأنفس الشح ) )انه اعتراض (44) لكن الكثيرين لم يوضحوا مكان الاعتراض ووضحه أبو حيان بقوله (( باعتبار أن قوله:(وإن يتفرقا) (النساء 20) معطوف على قوله: (فلا جناح عليهما أن يصلحا ) )) (45) ولعل الذين لم يوضحوا مكان الاعتراض قصدوا أن الاعتراض بين قوله تعالى (( وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا ) ) (النساء: 128) وقوله تعالى: (( وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا ) ) (النساء: 128) وحاولوا أن يتفننوا في تخريج هذه الجملة لتكون اعتراضية فقالوا (( قوله(والصلح خير) لفظ عام يقتضي أن الصلح الذي تسكن إليه النفوس ويزول به الخلاف خير على الإطلاق أو خير من الفرقة أو من الخصومة، وهذه جملة اعتراضية. )) (46) وقالوا: (والصلح خير ) ) أي من الفرقة وسوء العشرة أو من الخصومة، فاللام للعهد، وإثبات الخيرية للمفضل عليه على سبيل الفرض والتقدير أي إن يكن فيه خير فهذا أخير منه وإلا فلا خيرية فيما ذكر، ويجوز أن لا يراد بخير التفضيل بل يراد به المصدر أو الصفة أي أنه خير من الخيور فاللام للجنس، وقيل: إن اللام على التقديرين تحتمل العهدية والجنسية، والجملة اعتراضية، وكذا قوله تعالى:
(( وأحضرت الأنفس الشح ) )ولذلك اغتفر عدم تجانسهما إذ الأولى: اسمية، والثانية: فعلية ولا مناسبة معنى بينهما، وفائدة الأولى: الترغيب في المصالحة، والثانية: تمهيد العذر في المماكسة والمشاقة )) (47)
ولو أردناأن ننظر إلى الحكم في الآية غير منفصل عما ورد في القرآن من أحكام رأينا أن للمرأة حقوقًا أحقها الله على الرجل منها المساواة والعدل بين الضرائر والمساواة في النفقة الخ وحقوقًا على المرأة أحقها الله للرجل منها الطاعة و .... الخ فإذا أخلت المرأة بحق الرجل فلها أحكامها وهنا تتحدث الآية عن انه إذا اعرض الرجل عن زوجته فهو يعد آثما لأنه يبخسها حقوقها وعند مشاققة الزوجة معه والخلاف والجدال والشجار معه بالمطالبة بالحقوق تتهدد المرأة بالطلاق وبالتالي تتهدد الأسرة بالضياع والانحلال والتفكك وتضيع الأطفال لذا فان الله تعالى رفع الحرج عن الرجل والمرأة ـ خوفا على الأسرة، وبالتالي المجتمع ـ في أن يعقدا صلحا يرفع الإثم عنه وعنها وهذا الصلح المبرم بين الزوجين خير من الخلاف
والمشاققة والجدال حول الحقوق وخير من أن تطلق المرأة وتضيع الأطفال وخير من أن تتفكك عرى الأسرة ومن ثم يتفكك المجتمع ـ ولم تبين الآية من يتنازل في الصلح هل هو الزوج أو الزوجة ولم تبين الآيةعماذا يتنازل الزوج أو الزوجة ـ ولهذا فان الصلح المبرم بين الزوجين تحصل فيه مفاوضات ومطالبات واتفاقات وعقود يتفق الطرفان عليها، وأثناء هذه المفاوضات تحضر الأنفس الشح فيبخل كل منهما بحقوقه أو يريد كل منهما أن يحصل على اكبر مكسب من الآخر فقوله تعالى وأحضرت الأنفس الشح يعني عند عقد الصلح أي شح كل منهما بأن أراد أن يأخذ من حقوق الآخر ما يستطيع أخذه وعندئذ قد يميل احدهم عن الإحسان للأخر، أو قد يشح بالحقوق التي فرضها الله علية ـ عند من فسر الشح بمنع حقوق الله الواجبة او منع الحقوق الشرعية (48) ـ ولذلك اتبعها الله تعالى بقوله (( وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا ) ) (النساء: 128) ثم إذا لم يفلح الزوجان في الصلح ولم يتفقا فان الله تعالى اقر لهما الطلاق بقوله تعالى: (( وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته وكان الله واسعا حكيما ) ) (النساء: 130)
وعلى هذا التفسير فلا اعتراض في النص القرآني وتراه منسجما ترتبط معانيه احدها بالآخر، وتأخذ معانيه كل منها بتلابيب الأخر، ولهذا ينتفي القول ان لا مناسبة في المعنى بين معاني تلك الآية (49) إذ إن هذا القول لا يتناسب مع بلاغة القرآن وفصاحته وإعجازه.
والذي نريد قوله: أن الآيات كلها مبنية على حكم شرعي هو الصلح بين الزوجين الذي فيه رخصة من الله ان يتنازل كل منهما عما يراه من حقوق ـ ولهذا نرى ان عبارة (( وأحضرت الأنفس الشح ) )متعلقة بالصلح والمفاوضات الحاصلة فيه وإلا فالسياق لا يقتضيها