الصفحة 4 من 24

العطرة (ص) فقد ذكر الو احدي في أسباب النزول ما نصه: (قال: حدثنا وكيع عن سلمه، عن الضحاك، قال: بعث رسول الله(ص) طلائع غنيمة وقسمها بين الناس ولم يقسم للطلائع شيئًا، فلما قدمت الطلائع، قال قسم الفيء، ولمْ يقسم لنا، فنزلت: (وما كان لنبيِّ أن يغلَّ) ... وقال

ابن عباس في رواية الضحّاك: إن رسول الله (ص) لما وقع في يده غنائم هوازن يوم حُنين، غلّه رجلٌ بمخيط، فانزل الله تعالى هذه الآية. وقال قتادة: نزلت وقد غلَّ طوائف من أصحابه. وقال الكلبي ومقاتل: نزلت حين ترك الرّماة المركز يوم أحد طلبًا للغنيمة، وقالوا: نخشى أن يقول رسول الله (ص) مَنْ اخذ شيئًا فهو له وان لا يقسم الغنائم كما لم يقسم يوم بدر فقال النبيّ (ص) : (لا ظننتم أنّا نغلّ ولا نقسم لكم) فانزل الله تعالى هذه الآية 24

ومن الملاحظ، أن لفظة (لنبيّ) لم تعرّف أو تخصص، إنّما أشيعت على التنكير لكي تنفي عن كلّ نبيّ، الخيانة، لأنّ الأنبياء عليهم السلام في مصداق واحد فكما ان مصداقهم في التوحيد واحد، كذلك مصداقهم في الأخلاق والسلوك واحد، فلم يصحَّ عنهم أن غلّوا في أقوامهم، فهم الأمانة في مساحة الأمم التي بعثوا إليها في الرسالات والشرائع. غيرَ انّ، مشكلَ القدح في شخص الرسول الأعظم (ص) لمّا يزل في عصرنا هذا لما يتحذلق فيه المتنطعون في هدف القول، ولعمري انّ الرسول الكريم كان يحلّ المشكل في حياته فتنزل الآية الكريمة، فتبرا ساحتهُ من القدح، كما حصل في حديث (الأفك) في زوج الرسول (ص) أما بعد وفاته، فعلنا نحن المسلمون المكلفون في شريعة الله ولهذا نجد الآية الكريمة: من سورة الحاقة:: (( ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين ) )44 ـ 46 والمراد من الآية الكريمة أنّ محمدًا الذي أثبتنا نبوته وأظهرنا المعجزة لتصديقه، لا يمكن أن يتقوّل علينا بعض الأقاويل ولو صح ذلك لأخذنا منه باليمين ولقطعنا منه الوتين، فان سكوتنا عن هذه الأقاويل إمضاء مالها، وإدخال للباطل في شريعته، فيجب علينا حفظ الشريعة في مرحلة البقاء كما وجب علينا في مرحلة الحدوث) 25

وفي قوله تعالى: (( مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ) ) (الأنفال: من الآية 67) وفي هذه الآية الكريمة جملة مضامين سأعرض لها وبشيءٍ من الايجاز منها الرّوايات التي أوردها الواحدي في أسباب النزول، وهي لا تخرج عن القتل للأسرى في بدر، أو النداء أو الغَنيمة 26 ومن المضامين الأخرى رفع التقريع والعتاب عن النبيّ الأعَظم (ص) وهذه ظاهرة أخرى بارزة في القُرآن الكريم تستلفت الانتباه كثيرًا تخضع فيها الذات النبويةً لعتابٍ وتقريع على عمل خلاف الأولى، مما كان ينبغي أنْ لا يصدر عن النبيِّ، أو كان من الميل إلى الخيار الإلهي الأكثر عافية لأقوامهم. ولنتأمل في هذه الآيات المباركات: قال تعالى: (( عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ) (التوبة:43) ، وقال تعالى (( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي

قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) (التوبة:113) .

قال تعالى (( مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) ) (الأنفال: 68 ـ 67) 27

وقوله تعالى: (( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا فقوله: (( ما كان لمؤمنٍ ولا مُؤمنةٍ ) )أي ما صحَّ ولا حقَّ لأحدٍ من المؤمنين ولا المؤمنات أنْ يثبتَ لهم الاختيار من أمرهم بحيث يختارون ما شاءوا وقوله تعالى (( اذا قضى الله ورسوله أمرًا ) )ظرف لنفي الاختيار، وضمير الجمع في قوله تعالى: (لهُم الخِيرة في امرهم) للمؤمن والمؤمنةِ والمراد بهما جميع المؤمنين والمؤمنات لوقوعها في حَيّز النفي، ووضع الظاهر موضع المضمر حيث قيل: (( من أمرهم ) )ولمْ يقل: أن يكون الخِيرة فيه للدلالةِ على منشأ توهم الخِيرة، وهو انتساب الأمر إليهم) 28.

وفي قوله تعالى (( مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) ) (التوبة:91) .

فقد نفت (ما) في الآية الكريمة، السبيل، وهو في رأي بعض الفقهاء الضمان على ما يحسنون به، فقد ذكر صاحب الميزان تعليلًا في أول الآية الكريمة، وهو نفي الحرج عن الطوائف التي أشار أليها قوله تعالى: (لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ) (التوبة: من الآية 91) والمراد بالضعفاء بدلالة سياق الآية: الذين لا قوة لهم على الجهاد بحسب الطبع. كما أن المرضى لا قوة لهم عليه بحسب عارضي مزاجي، ولا الذين لا يجدون ما ينفُقون لا قوة لهم عليه من جهة فقد المالِ ونحوه.

وقد قيّد الله تعالى رفع الحرج عنهم بقوله: (( إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ) (التوبة: الآية 91 ) ).

ففي السبيل كناية عن كونهم في مأمنٍ فما يُصيبهم من مكروه كأنهم في حصنٍ حصِين لا طريق إلى داخله يسلكُه الشرَ اليها فيصيبهم من مكروه، والجملة عامة بحسب المعنى، وان كان مورد التطبيق خاصًا) 29.

وذهب الجمهور من كلّ الطوائف إلى عدم الضمان ولزومه وان كان المكلف مأمورًا بالوفاء به ديانةً، لأنه تفضلٌ وإحسان، وكلما التزم المكلف من الأعمال مع الله ومع غيره، ومنه قوله تعالى (( وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ) ) (البقرة: الآية 40) .

أي أوفوا بما ضمنتم أوف بما ضمنتُ لكم الجنة: ومثله (( وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا) 30 الاسراء: الآية 34)

ويتضح مما سبق أن الضمان الذي نفي بالفعل ـ ليس ـ في صدر الآية الكريمة والأصناف الذين رفع عنهم الحرج كما أسلفنا، ونفي السبيل الذي هو نكرة رفع في سياق وبه تقرر المعنى، لأنهم محسنون بالنيّة، ولأنّهم: (( اذا نصحوا الله ورسوله ) )ثم إن من الواضح أن العهد لغةً: هو الالتزام، فقد استعمل العهد مع مشتقاته في القُرآن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت