الصفحة 5 من 24

الكريم في أكثر من مائة وخمسين موضعًا , وفي كلّ موضع دلّ على إلزامية العهد إن ما ذكرت كتب اللغة عن معنى العهد هو (( ما التزمه المكلف من الأعمال مع

الله تعالى ومع غيره )) 31. فالآية الكريمة: (( مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ ) )تؤكد أن ليس لأحد أن يؤاخذ المحسنين، ويحاسبهم إذا بذلوا ما هو في طاقتهم ولم يقصروا فيه، وأصبحت هذه القاعدة من القواعد الشرعية التي اعتمد عليها الفقهاء في عدم مؤاخذة المحسن في كّل الأعمال التي يجريها على الوجه الشرعي وبدواع ٍ وإحكام مشروعة. إن السنّه الجارية في الأنبياء الماضين (ع) أنهم كانوا إذا حاربوا أعداءهم وظفروا بهم ينكلونهم بالقتل ليعتبر بهم من وراءهم فيكفّوا عن محادّة الله ورسوله، وكانوا لا يأخذون أسرى حتّى يثخنوا في الأرض، ويستقر دينهم بين النّاس فلا مانع بعد ذلك من الأسر ثم المنّ أو الفداء كما قال تعالى فيما يوحي الى نبيه (ص) بعدما علا أمر الإسلام واستقر في الحجاز واليمن: (( فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً ) ) (محمد: الآية 4) والعتاب يهدي إليه سياق الكلام في الآية الأولى انما هو أخذهم الأسرى كما يشهد به ايضا قوله تعالى في الآية الثانية: (( لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم ) )أي في أخذكم وإنمّا كانوا اخذوا عند نزول الآيات الأسرى دون الفداء وليس العتاب على استباحة الفداء أو أخذه كما احتمل بل يشهد قوله في الآية التالية: (( فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا واتقوا الله إن الله غفور رحيم ) )إذ افتتحت بفاء التفريع اّلتي تفرّع منها على ما تقدّمها:- على أن المراد بالغنيمة ما يعمّ الفداء، وأنهم اقترحوا على النبيّ (ص) أن لا يقتل الأسرى ويأخذ منهم الفداء كما سألوه عن الأنفال أو سألوه أن يعطيهموها كما في أية صدر السورة، وكيف يتصوّر أن يسألوه الأنفال، ولا يسألوه أن يأخذ الفداء وقد كان الفداء المأخوذ ـ على ما في الروايات ـ يقرب من مائتين وثمانين إلف درهم) 32 (وتشاور القوم فيما بينهم .. وظل المسلمون في تشاورهم زمنًا انتهوا بعده قبول الفداء وفي قبولهم نزلت هذه الآية الكريمة، كما يرى محمد حسين هيكل:(حياة محمد) وحين يستذكر المحللون السياسيون والمؤرخون الأنموذج الديمقراطي ألاثني، ومبدأ الحوادث الديمقراطية العامة، فإنهم ـ بلا شك ـ يتجاهلون ذلك الانموذج الصغير بالقياس إلى الأنموذج الإسلامي فقد كان القائد محمد (ص) عائشًا في وسط جماعة المسلمين كأي واحد منهم وكان المسجد المكان الذي يتساوى فيه المجتمع في عرض الآراء ومحمد (ص) نبراسًا يُهتدى به 33.

وقوله تعالى (( مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ ) ) (الملك: من الآية 3) قال الراغب: الفوت بعد الشيء عن الإنسان، بحيث يتعذر إدراكه فيه، قال (( وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ ) ) (الممتحنة: الآية 11) 34 قال التفاوت الاختلاف في الأوصاف كأنه يفوت وصف أحدكما الآخر أو وصف كلّ واحد منهما الآخر، قال تعالى: (( مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ ) ) (الملك: من الآية 3) أي ليس فيها ما يخرج عن مقتضى الحكمة 35. والمراد بنفي التفاوت اتصال التدبير وارتباط الأشياء بعضها ببعض من حيث الغايات والمنافع المترتبة على تفاعل بعضها في البعض

فاصطكاك الأسباب المختلفة في الخلقة وتنازعها كتشاجر كفّتي الميزان وتصارعها بالثقل والخفّه والارتفاع والانخفاض فإنها في عين أنهما تختلفان في إعانة من بيده الميزان فيما يريده من تشخيص وزن السلعة الموزونة. فقد رتب الله أجزاء الخلقة بحيث تؤدي إلى مقاصدها من غير أن يفوت بعضها غرض بعض أو يفوت من بعضها الوصف اللازم فيه لحصول الغاية المطلوبة.

والخطاب في (ما ترى) خطاب عامٌ لكلّ من يمكنه الرّؤية وفي إضافة الخلق إلى الرحمن، إشارة إلى الغاية منه , التي هي الرحمة العامة , وتنكير (التفاوت) وهو في سياق النفي وإدخال (من) عليه لإفادة العموم) 36

ومن المضامين الأخرى التي وقعت في سياق، لفظة، (( حتّى يُخنَ ) )والتي شرحها الراغب في مفرداته لهذه الاية الكريمة من سورة الأنفال: (( يقال ثخن الشيء: اذا غَلظ فلم يسلْ، ولم يستمر في ذهابه، ومنه استعير قُولهم: اثخنتهُ ضربًا واستخفافا: (( ما كان لنبيّ ان يكون له اسرى حتّى يُثخن في الارض ) )الانفال: 67 (( حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ ) )محمد:4 37

وقد أفاض السيد محمد حسين الطباطبائي، في تفسير الميزان، إفاضة بقوله: (( المراد بإثخان النبيّ في الأرض استقرار دينه بين الناس كأنه شيءً غليظ أنجمد فثبت، بعدما كان رقيقًا سائلًا مخشيّ الزوال بالسيلان والعرض ما يطرأ على الشيء فيه الزوال , ولذلك سمي به متاع الدنيا لدثوره وزواله عما قليل، والحلال وصف من الحلّ مقابل العقد والحرية كأن الشيء لحلال كان معقودًا عليه محروما منه فحلَّ بعد ذلك .. ، وقد اختلف المفسّرون في الآيات بعد اتفاقهم على أنها أنما نزلت بعد وقعة بدر تعاتب أهل بدر وتبيح لهم الغنائم. والسبب في اختلافهم ما ورد في سبب نزولها ومعاني جملها من الإخبار المختلفة ولو صحت الرّوايات لكان المتأمل فيها قاضيًا بتوسّع عجيب في نقل الحديث بالمعنى حتى ربمّا اختلفت الرّوايات كالإخبار المتعارضة.

فاختلفت التفاسير بحسب اختلافها فمن ظاهر في أن العتاب والتهديد متوجّه إلى النبيّ (ص) والمؤمنين جميعًا او الى النبيّ والمؤمنين ما عدا عمر، أو ما عدا سعد بن معاذ والى المؤمنين دون النبيّ او الى شخص آو أشخاص أشاروا إليه بالفداء بعدما استشارهم.

ومن قائل: إنّ العتاب إنّما هو على أخذهم الفداء، أو على استحلالهم الغنيمة قبل الإباحة من جانب الله، والنبيّ (ص) يشاركهم في ذلك لما بدا باستشارتهم مع القوم إنمّا اخذوا الفداء بعد نزول الايات لا قبله حتى يعاتبوا عليه ن والنبيّ (ص) أجلّ من إن يجوّز في حقّهِ استحلال شيء قبل أن يأذن الله له فيه ويوحي بذلك اليه وحاشا ساحة الحقّ سبحانه أن يهدّد نبيّه بعذاب عظيم من شانه أن ينزل عليه من غير جرم أجرمه وقد عصمه من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت