الصفحة 8 من 24

أرادها الله سبحانه ليبرز دلالة أمرٍ ما إنّ شاع في الألسن والنفوس أصبح هذا الأمر وَبالًا على الفرد

والمجتمع، لان النفوس تحرص كلّ الحرص بان لا يشاع عنها بعيبٍ، ومن الملاحظ إن في الآية الكريمة محذوفًا متعلقًا بـ (قومٍ) فهو غير معلوم في (القوم) أخيرً أم شرا، غير أن سنّة التغيير والإبدال جارية على المخلوقين، ففي سورة المعارج قوله تعالى (( عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ) (المعارج:41) رأى السيد الطاطبائي أنها: (( هي خلقة جارية والله هو

رب الحوادث لجارية التي منها خلق الإنسان جيلًا بعد جيل والمدبر لها، قادر على أن يذهب بهم ويُبدّلهم خيرًا منهم يعتنون بأمر الدين ويستأهلون الدّخول في الجنة ولا يمنعه خلق هولاء أنْ يُبدّلهم خيرًا منهم، ويدخلهم الجنة بكمال إيمانهم من غير أن يضطرّ إلى إدخال هؤلاء الجنّة، فلا ينتقص تقديره أنّ الجنّة للصالحين من أهل الإيمان) وفي قوله تعالى: (( انا لقادرون على ان نبدل خيرا منهم ) )متعلق بقوله: (لقادرون) والمفعول الأول لنبدّل ضمير محذوف راجع إليهم وإنما حُذف للإشارة إلى هوان أمرهم وعدم الاهتمام بهم، و (خيرًا) مفعوله الثاني وهو صفة أقيمت مقام موصوفها، والتقدير إنّا لقادرون على أنْ نبدّلهم قومًا خيرًا منهم، وخيرتهم منهم أن يؤمنوا بالله ولا يكفروا به ويتبعوا الحقّ ولا يردّوه. وفي قوله: (( إنناّ لقادرون ) )التفات من الغيبة إلى التكلم مع الغير، والوجه فيه الإشارة إلى العظمة المناسبة لذكر القدرة) 54

وفق سنة التغيير والإبدال، وقف السيد الشهيد الثاني محمد الصدر (قدس) من هذه السنة وقفةً تفصيلية في موسوعته العظيمة (( موسوعة الإمام المهدي ) )عجّل الله فرجه الشريف. يقول السيد الشهيد:(

إذا استطعنا أن نضم النتائج الرائعة للعلم إلى نظام عادل وقانون سليم ... استطعنا إن نكفل الرفاه الحقيقي والسعادة الكبرى، إذ تكون النتائج العلمية موزعة يومئذ بين البشر بشكل متساوٍ ومتكافئ بدون اجحاف أو ظلم)55

ولعل التطور القانوني،: هو الفيصل في حل الأزمات، لان (المهم في الأمر هو وجود النظام الصالح والقانون العدل الذي يُنسق شؤون المجتمع البشرية ويسعّى حصولها على آمالها وإزالة آلامها إذن فالقائد الرئيسي للبشرية نحو الأفضل هو(القانون نفسه ... وهو الذي سيكفل مستقبلكم السعيد) 56 ويرى الدكتور محمد التيجاني مقصدًا في الآية الكريمة: (( ان الله لا يغير ما بقوم ) )يجب أن يُفسّر تفسيرًا حقيقًا، والمعنى الذي يقصد الله سبحانه وتعالى ـ واظنني على حقِّ، وان أكون على حقًّ هو أن الله سبحانه وتعالى يُريد ان يقول، يا أيّها الّذين آمنوا غيّروا أفكارهم الباطنيّة والكافرة لتُعطينا دروسًا عظيمة في السيرة النبوية الشريفة.

ومن هذه الدروس مثلًا: أن الله سبحانه وتعالى يعلم أن قوى الشرّ وعلى مرّ العصور هي القوة الفاعلة والضاربة وهي الكثرة العددية: (( بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ) (المؤمنون: من الآية 70 ) )

أكثرهم يكرهون الحقِّ: (( وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّه ) ) (الأنعام: من الآية 116) 57

ويتضح من ذلك، أن الكثرة العددية عمرها لم تمثل الصحيحة، لأنهم لم يستقيموا على الطريقة قال تعالى: (( وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا) (الجن:16) غير أن القُرآن الكريم يصفهم بـ (ثلة) وبهم يتم التغيير والصلاح، هم الندوة، والصفوة ولو أراد الله أن يجعل مقاديره في الكثرة وما يشاع عنها في السلوك، لأكثر من أنبيائهم عليهم السلام فهم المصلحون والمغيّرون في المجتمعات بعد أن تتأثم كل مفاصلها بالحطيئة والرذائل، والموبقات وهم (ثلة) كما أسلفت إزاء الكثرة العددية التي

وهناك ألفاظ ما يلزم النفي بها؟ في العربية، وهي ألفاظ خاصة بالنفي لا تستعمل في الإثبات منها: أحد، وغَريب، وديّار، وأرم، وكتيع، وطوريّ 58 وما أشبهها، وهي بمعنى واحد فتقول (ما في الدار أحد) و (ما في الدار عَريب) . فـ (أحد) هذه بمعنى (إنسان) وهي غير (أحد) التي بمعنى واحد والتي تستعمل في الإثبات وفي العدد نحو: (( قلْ هو الله أحد ) )الإخلاص: 1 ونحو ذلك قال أحدهم: (أحد عشر وأحد وعشرين) ونحوها 59 وهناك ظروف تستعمل في النفي خاصة منها: عَوْض: وهي ظروف لاستغراق الزمن المستقبل، مثل (أبدًا) نقول: (( لا افعل عَوْض ) )، وهي خاصة بالنفي بخلاف (أبدًا) فإنها لا تختص به بل هي تقع في الإثبات والنفي نحو قوله: (( خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ) ) (البينة: من الآية: 8) 60 (وعَوْض ظرف معرب إن أضيف، كقولهم،(لا أفعله عَوْض العائضين) وهو من الأمثال في (مجمع الأمثال) وهو مبني إن لم يُضف، وبناؤه إما على الضم كقبلُ، أو على الكسر كأمسِ أو على الفتح، كأين، وسمي الزمان عَوْضًا لأنه كلما مضى جُزءًُ منه عوضه جُزء آخر، وقيل: بل لآن الدّهر في زعمهم يسلب ويعوض 61

ومنها: قطٌّ وهي ثلاثة أوجه، كما يرها صاحب (المغني) أحدها: أن تكون ظرف زمان لاستغراق ما مضى، وهذه بفتح القاف وتشديد الطاء مضمومة في أفصح اللغات وتختص بالنفي، يقال (ما فعلته قطّ) .... فمعنى ما فعلته قطٌّ، ما فعلته فيما انقطع من عمري، لان الماضي منقطع عن الحال والاستقبال، وبنيت لتضمنها معنى مذ والى إذْ المعنى مذْ أن خلقت إلى الآن 62.

ومن الألفاظ التي أكدَ النحويون دلالتها على النفي (غير) وهي من الالفاظ المستعملة كثيرًا في لغتنا العربية بمدلولاتها متنوعة واعاريب مختلفة، سأعرض في هذا المبحث إلى أسميتها، وتنكيرها وأمثلّ لذلك من استعمالاتها في القرآن الكريم.

فـ (غير) اسم، لأنّها ملازمة للإضافة إلى ما بعدها، ويجوز أن يقطع عنها لفظًا إن فهم المعنى وتقدمت عليها كلمة ليس، وقولهم: (لا غير) لحن، ويقال (قبضتُ عشرةً ليس غيرها) برفع غير على حذف الخبر، أي مقبوضًا، وبنصبهما على إضمار، الاسم ايضًا وحذف المضاف أليه لفظًا ونيةً، كقراءة بعضهم:

(( لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ) (الروم: من الآية 4) بالكسر من غير تنوين أي من قبلِ الغَلَب ومن بعده، وليس

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت