قوله تعالى (( لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ ) ) (الواقعة: الاية 2) اشارة إلى أنّها تقع دفعة واحدة للمرّة الواحدة، وقوله (كاذبةٌ) ، صفة لمحذوف أقيمت مقامه، تقديره، ليس لها نفس تكذب، ثانيهما: الهاء للمبالغة
كما تقول في الواقعة ... ثالثهما: هي مصدر كالعاقبة، فإذا قلنا بالوجه الأول، فا للام تحتمل وجهين احدهما أن تكون للتعليل أي لا تكذب نفس في ذلك اليوم لشدة وقعها،
كما يقال: لا كاذب عند الملك لضبطه الأمور فيكون نفيًا عامًا بمعنى أن كل واحد يصدقه فيما يقول) 46 وفي المحتسب ذكر الدكتور، عبد العال سالم مكرّم عن ابن جني ج 2، ص 307 تأويلًا وهو النصب على الحال (خافضة رافعة) بالنصب (قراءة عيسى) قال أبو الفتح: هذا منصوب على الحال، وقوله: (( لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ ) )حينئذٍ حال أخرى قبلها أي إذا وقعت الواقعة صادقة، الواقعة خافضة رافعة، فهذه ثلاث أحوال أولاهن الجملة التي هي قوله: (( لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ ) )ومثله: مررت بزيدٍ جالسًا متكئًا، ضاحكًا، وان شئت أن تأتي بعشرة أحوال إلى إضعاف ذلك لجاز وحسن) 47 ويرى السيّد قطب ملحظًا لغويًا يتعلق في جرس اللفظ ذاته بما فيه من مدّ وسكون تلقى في الحس كأنّما هي ثقل ضخم ينقض من علٍ ثم يتسق، لغير ما زحزحة بعد ذلك ولا زوال (( لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ ) ) (الواقعة: الاية: 2)
ثم إن سقوط هذا الثقل ووقوعه، كأنما يتوقع الحس أرجحة وزحزحة يحدثها ... حين يقع، ويلبي السياق هذا التوقع فإذا هي (( خافضة رافعة ) ).. إنها لتخفض أقدارا كانت رفيعة في الأرض وترفع أقدارًا كانت خفيضة في دار الفناء، حيث تختلّ الاعتبارات والقيم، ثم تستقيم في ميزان الله) 48
النفي بـ (لا) الدالة على الافعال
والذي يهمنا في مبحث ـ لا ـ هو أثرها المعنوي لا الإعرابي، الذي سنعرض إليه من خلال سياق النفي، والألفاظ المنكرّة التي وقعت في السياق القُرآني. وفي الآية الكريمة: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْأِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ
الظَّالِمُونَ) (الحجرات:11) يقول الزمخشري: (القوم: الرّجَال خاصة ثمّ خصص سبحانه وقال النساء، ومجيء النساء نكرة يقصد إفادة الشياع ) ) 49 وفي موضوع أخر من الكشاف نبّه فيه: (على أن قصد ذكر الذكور، وترك الإناث، لأنهن توابع لرجالهن، وتنكير القوم والنساء يحتمل معنيين: ان يُراد لا يسخر بعض المؤمنين، والمؤمنات من بعض، وان قصد إفادة الشياع وان تصبر كلّ جماعة منه منهية عن السخرية) 50
(روى الضحاك عن ابن عباس(رض) أن بعضهم كان يقول لبعض: إنّك لغيرُ رشيدٍ وما أشبه ذلك يستهزئ به فنزل هذا وهو من بني تميم) 51
ومما يتفق مع الزمخشري ما نقله الطبرسي رأيًا للخليل مفاده: القوم يقع على الرجال دون النساء لقيام بعضهم على بعض في الأمور قال زهير:
وما ادري ولست أخال ادري
أقومَ آل حصنٍ أمْ نساءُ
والمعنى لا يسخر رجال من رجال) 52
ولعل في سبب نزول هذه الآية الكريمة ما يسلط الضوء على جوانب كثيرة في التربية والأخلاق.
إذ نزلت هذه الآية الكريمة في رجل، وقيل في امرأتين، ففي الرّجل، فلان بن فلان، وقد سمع النبيّ(
ص)من يقول ذلك , وفلانة مهموزة , وفي امرأتين نظرتا إلى ثوب أمّ سلمه، وكان ابيض اللون، فقالت الامرأتان: ماذا تجرّ أمَّ سلمه في خلفها، كأنها تجر لسان كلب، وفي تفسير الجلالين أن الآية نزلت في وفد تميم حين سخروا من فقراء المسلمين، كعمار، وصهيب 53 وايّا كان سبب النزول، في رجلً أو في امرأتين، فالعبرة في صريح العبارة القرآنية التي تدل بلا شك ترك لا النفي عن المهموز، التي أرادها الشارع أن يربي في الإنسان ملكة الذوق، التي تنسجم مع الخطوط العامة للرسالة المحمدية التي يصف الله سبحانه وتعالى نبيّه الكريم: (( وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) ) (القلم:4) ليكون أسوةً حسنة للناس.
وثمة ملحظ آخر جاء به تنكير المفردة وتنوينها، هو تقليل الشأن، وتقليل العدد الذي تضمنته الكلمة، وإذا كان العدد قليلًا قلّ أثره في أي موضع وتقليل الشأن له اثر نفسي يبعث على الذم. وقوله تعالى: (( إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (الرعد: من الآية 11)
ومن جانب آخر اراد الله سبحانه التنبيه إلى الجانب التربوي والأخلاقي في هذه الآية الكريمة، وإلا لماذا هذا
الاستهزاء؟ فالاستهزاء صفة ذميمة، ومن هنا ركزّت الآية الكريمة على نزعة مركزية مألوفة، ألا يتكبر الإنسان على غيره وألا يأخذه الغرور بالهمز واعابة غيره، وذلك مذموم في الشريعة الإسلامية. فالسخرية كما يراها الطبرسي: (إظهار خلاف ا?بطان على وجه يفهم منه استضعاف الفعل، ومنه التسخير، التذليل يكون استضاعفًا بالقهر) ومن هنا نلاحظ أن السخرية قد تكون بالقول، وقد تكون بالفعل، كالمحاكاة أو التقليد بالصوت استهزاءً، فهذا النوع من المحاكاة كان يفعله (الحكم) الذي كان قلد مِشية الرسول الكريم (ص) وكانت مشية الرسول فيها من الرزانة وثقل النبوة، حتى دعا لـ (الحكم) كن كذلك فظل على مشيته، وترك مشيته الأولى كما أشارت المرويات في ذلك. فالسخرية هي العيب بالقول والفعل كالمحاكاة في الحركات كما اشرنا إلى ذلك أو اللمز في القول قال تعالى: (( الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (التوبة:79) . فالآية الكريمة نسبت التنابز الى النفوس، ولم تقل لا تلمز نفسك فاللمز بالتقليب بالألفاظ، وقد نهى القرآن عنه (( وَلا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ ) ) (الحجرات: من الآية 11) والاسم الفسوق الذكر، أي تذكر أخاك بهذا الاسم المعيب والكلمة المعيبة، فكان الهدف هو تطهير الألسن والنفوس من ذلك. ومن هنا جاء التنكير لكلمتي (قوم، نساء) في الآية الكريمة لغاية