الصفحة 3 من 24

وفي شهادة تكبيرة الآذان: (( أشهدُ أََنْ لا اِلهَ إلاّ الله ) )يتجلى النفي المطلق في أُولى الشهادتين، ولفظة: (اِله) وإن وقعت في سياق النفي، فهي ليست من المثلية والسنخية ولا الشيئية التي يُراُد نَفْيها بل هي

الايجاب المطلق، وهي الوحيدة مع أخياتها في القُرآن الكريم، كجملة (الله اكبر) التي يَنتفي فيها افضل (افعل) والآية الكريمة: (ليْسَ كَمثلهِ شَيء) (الشورى: 11)

فالنفي في هذه الشهادة (لا اله اِلاّ الله) بيانٌ ما بعده بيان، هي الكلمة الوحيدة كما اسلفت التي تكون قد سبقها نفي الشيء , وان يكون فيها النفي قبل الاثبات. وهي كلمة الله قال تعالى: (( وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ) ) (التوبة: الآية 40)

اي لا اله إلاّ الله. ومثلما تنفي المثلية والشيئية عن الله عزّ وجل، فهي تنفي كلّ حاكمية غير حاكمية الله جلّت قدرته، وهي كذلك بهذا اللحاظ تنفي الطاغوت، وكلّ مَنْ يحكم إلا باذن الله تعالى، ونفي كلّ ولاية غير ولاية الله جلّ جلاله، وتعزّز ولاية الوهية الله على الانسان.

وكما هي امة واحدة، كما اخبرنا القُرآن الكريم: (( إنَّ هذِهِ أُمّتكمُ أُمَّةً واحِدة وأنَا رَبُّكمُ فأتّقوُنِ ) ) (المؤمنون: 52)

فالولاء واحد لله تعالى، وهو مصدر كلّ ولاء قال تعالى: (( وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ) (المائدة:56) ومما تقدم يتضح، ان الولاء لله تعالى نسيجٌ واحد، وليس انسجة ً متعددة، كما ان القُرآن يجمعنا في نسيجٍ واحد يدخل في هذا اللحاظ وان براءة واحدة، كما هي ولاية واحدة ممن يعبدون من دون الله تعالى.

وفي ملحظ آخر، نرى، أنّ الاسلام يدور مدار الشهادتين، روي سماعةُ عن الصادق (ع) : (الاسلام شهادة أنْ لا إله إلا الله، والتصديق برسول الله، به حقنت الدماء وعليه جرت المناكح والمواريث) 14

وروى ابو هريرة ان رسول الله (ص) قال: (( أمرتُ ان اقاتل الناس حتّى يقولوا لا اِله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه الا بحقه وحسابه على الله ) )

صحيح البخاري باب فعَل مَن ْ أب قبول الفرائض الجزء 8 ص 50 رقم الحديث:1312 ورواها مسلم وأبو داود 15 وابن ماجه 16 والترمذي 17 والنسائي 18.

تحتل (ما) النافية مساحة كبيرة في الجملة العربية، ولا سيما في الآيات القُرآنية الكريمة وقد تأوّلها النحويون لمعانٍ كثيرة، اِلا انهم في اجماع يؤكدون نفيها للحال، والذي يهمنا في هذا المبحث وقوع (النكرة في سياق نفيها سواء اكانت الحرفية منها او الاسمية او التي تؤول بالمصدر او ما تقع في المبهمات كما سياتي الحديث عنها

يقول صاحب شرح المفصل: (( ومن اصناف الحروف حرف النفي ..(ما) لنفي الحال.

قال صاحب الكتاب: (وهي ما، ولم، ولا، ولن، وإن، فـ(ما) لنفي الحال في قولك ما يفعل وما زيدٌ منطلق او منطلقًا على اللغتين، ونفي الماضي المقرب من الحال في قولك: ما فعل قال سيبويه إما (ما) فهي نفي لقول القائل هو يفعل اذا كان في فعل حال، واذا قال لقد فعل فان نفيه ما فعل فكأنه قيل والله ما فعل) 19.

بعد هذه المقدمة لـ (ما) النافية سأتعرض للآيات الكريمة التي وقعت النكرة في سياق ـ ما ـ واثر هذا النفي في تقرير

المعنى، لان اللفظة تعيش وتزدحم في سياق المعنى قال تعالى: (( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ) ) (قّ:18) فالله تعالى حافظ لعمله، حاضرُ معه،

لانه الرقيب العتيد 20.ففي الآية الكريمة توجيه اجتماعي شرعي في مسؤولية الكلمة التي يبيعها الإنسان المكلف فيشتري الدنيا ويبيع الآخرة في كلّ يوم بالكذب والنفاق، والرّبا، والزّور، ورمي المحصنات، وينتهك بها حرمة الآخرين.

ومن الجدير بالذكر، ان الكلمة تصدر عن الانسان، ويلفظها لشديد الاعمال، إنّه الانسان وما يصدر من عمل يُجلُ من قبل المتلقين، فيهما يلتقيان في هذا الذي يصدر من الانسان الفعّال قال تعالى: (( وَأنْ لّيسَ للإنسان اِلاّ ما سَعى ) ) (النجم:39) . وهذا السعي يحاسب عليه الانسان، سلبًا او ايجابًا وهذا من انواع الرقابة المباشرة، وبواسطة الملكين، والرقابة من الانسان على نفسه، لان الانسان في ضوء ذلك يكون

حجّة على نفسه، فهو يُراقب نفسه وما يظهر امامه بلا حجاب، وهذه هي الإحاطة والرقابة الإلهية والسيطرة والرَقابة على نفسه فهناك تخصيص من الإنسان، لكل ما يصدر فيه، وبعد ذلك يكون إعطاؤه الجزاء. وثمّة ملحظ لغوي، أشار إليه صاحب البرهان في علوم القرآن (قال الخدّاق في قوله تعالى:(( ما يُلفَطُ منَ قولٍ ) )انه لو عكس فقيل: (ما يقول من لفظ) لم يجز، لان القول اخص من اللفَظ، لاختصاصيه بالمستقبل، واللفظ يشمل المهمل الذي لا معنى له) 21.

وقوله عزّ وجلّ: (( وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ ) ) (آل عمران: 161)

وقرئ: (أَنْ يُغَلَّ) أي: ينسب إلى الخِيانة مِنْ أغْلَلْتهُ. قال (( ومَنْ يَغْلُلْ يأت بما غَلَّ يوم القيامة) (آل عمران:161) . وروي (( لا إغْلال ولا إسْلال ) )أي لا خيانة ولاَ سرقة 22

(( وأنْ يُغلَّ ) )قرءا جميعاًُ فمن قرأ: (أنّ يُغَل) فالمعنى: ما كان لِنبيِّ أن يخون أمته وتفسير ذلك أنَّ النبيّ (ص) جمع الغنائم في غزوة، فجاءَه جماعة من المسلمين فقالوا: ألا تقسم بيْننا غنائمنا فقال (ص) لو أن لكم عندي مثلَ أُحد ذهبًا ما منعتكم دْرهِمًا أترونني أغُلكم مغْنمكمْ، ويروى عن النبيِّ (ص) أنّه قال: ـ (( ألا لا أعرفَنِّ رجلًا يأتي يومَ القيامة ومعه شاة قد غَلِّها لها ثغاء، ألا لا أعرْفَنَّ رجلًا يأتي ومعه بعير قد غلّه له رُغَاء، ألا لا أعَرفنِّ رجلًا يأتي يوم القيامة ومعه فرس قد غلّه له حَمْحَمة) 23

وفي ذكر المناسبة لهذه الآية الكريمة ما يلقي الضوء على جوانب كثيرة في شخص الرسول الأعظم (ص) ويُبدد الظلامية لما فتح به الباب الأولن، وتابعهم اللاحقون فيما قدحوا ويقدحون في شخص النبيّ الكريم الأمين (ص) ولو أغلق الباب على مصراعيه لما حصل ذلك، وهذه من المشاكل التي اتخذها المتقوّلون في سيرته

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت