ونقل الزجاج عن سيبويه قولًا في (لا جرَمَ إنما تذرونني إليه ليس له دعوة في الدنيا والآخرة ) ) يعني انه ليس له استجابة دعوة في الدنيا ولا الآخرة.
قال سبيويه (سألت الخليل عن قوله:(لا جَرمَ) فقال: لا جَرمَ، ردٌ لكِلام والمعنى وجب أنّ لهم النار، وحقّ أن لهم النار وانشد:
لقد طعنتُ أبا عيينةَ طعنةً
جَرَمتْ فزارة بعدها آن يغضبوا.
والمعنى كسبتم الغضب وأحقتهم بالغضب بمعنى، (لا جَرَمَ ما تدعونني اليه) لقد وجب أن ما تدعونني إليه ليس له دعوة أي وجب بطلان دعوته) 6
وقد وردت عبارة (لا جَرَمَ) في سورة النحل في أكثر من موضع لا تخرج عن كسب أو جني كما أشار الراغب في مفرداته وقال تعالى: (( لا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ) ) (النحل: 23) .
وقال تعالى: (( لاجَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ ) )النحل: 109
أي (أن لهم النار) كافة: قال: كسب لنفسه النار 7. وفي تساؤل يرى الفخر الرازي: لم قال: (( لا رَيْبَ فِيهِ ) )البقرة: الآية 2 وفي موضع أخر (( لا فِيهَا غَوْلٌ ) ) (الصافات: 47) ؟ الجواب، لأنهم يقدمون الأهم فألاهم وههنا الأهم نفي الرّيب بالكلية عن الكتاب، ولو قلت: لا فيه ريب، لأوهم أن هناك كتابًا أخر حصل الريب فيه فـ (لا) ها هنا كما قصد في قوله (( لا فيها غول ) )تفضيل خمرة الجنّة على خمور الدّنيا، فإنها تغتَال العقول كما تغتالها خمرة الدّنيا السؤال الثالث: من أين يدل قوله: (( لا ريبَ ) )على نفي الكلية؟: قرأ أبو الشعثاء (( لا ريب فيه ) )بالرفع. والحكم أن القراءة المشهورة توجب ارتفاع الرّيب بالكلية والدليل عليه أن قوله: (( لا ريب فيه ) )نفي لماهية الريب ونفي الماهية يقتضي نفي كلّ فرد من افراد الماهية، لأنّه لو ثبت فرد من أفراد الماهية لثبتت الماهية، وذلك يناقض نفي الماهية، ولهذا السرّ كان قولنا (( لا إله إلا الله ) )نفيًا لجميع الآلهة سوى الله تعالى: وأما قولنا: (لا ريب فيه) بالرفع فهو نقيض لقولنا (لا ريب فيه) فهو يفيد ثبوت فرد واحد، فذلك النفي يوجب انتفاء جميع الأفراد ليحقق التناقض) 8
وكما أنّها تعمل في النكرات دون المعارف بخلاف ـ إنّ ـ(إنما لم تعمل في المعرفة، لان وجه المشابهة، وهو كونها لنفي الجنس، ولم يكن حصوله فيها مع دخولها
المعرفة إذْ ليس المعرفة لفظ، حتى ينتفي الجنس بانتفائها)9.
ومن الملاحظ ان تبرئتها ومبالغتها هي في نفي الجنس، فإنّ الآية الكريمة في قوله تعالى: (( فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ) ) (البقرة: 197) .
يقف عند هذا المفهوم، صاحب الكشف عن وجوه القراءات ـ (وبناءً على قراءة الأعرج بالفتح من غير
تنوين، ووجه القراءة بالفتح من غير تنوين: انه أتى بـ (( لا ) )للنفي لتدل على النفي العام، والمقصود في الآية نفي جميع الّرفث والفسوق، فكان الفتح أولى به لتضمنه عموم الرّفث كلّه والفسوق كلّه، لأنه لم يرخص في ضرب الرّفث ولا في ضرب من الفسوق كما لم يرخص في ضربٍ من الجدال ولا يدل على هذا المعنى الاّ الفتح لأنه
للنفي العام، وإجماع القُراء على الفتح (ولا جدالَ) يقّوي فتح ما قبله ليكون الكلام على نظام واحد في عموم المنفي كله في الأسماء الثلاثة في موضع رفع كلّ واحد مع (لا) . (في الحج) خبر عن جميعها) 10
وكما أن، (الرّفث) يُكنى به عن الجماع، فقد ذكر الراغب في مفرداته الفسق (فَسَقَ فلان: خرج عن حَجْر الّشرع، وذلك قولهم: فسقّ الرُّطبُ، اذا خرجَ عن قِشره، وهو أعمّ من الكفر. والفسق يقع بالقليل من الذنوب وبالكثير، لكن تُعورفَ فيما كان كثيرًا، أكثر ما يقال الفاسق لمن التزم حُكم الشرع وأقرَّ به، ثمّ أخلَّ بجميع احكامه او ببعضه، واذا قيل للكافر الاصلي: فاسق، لأنّهُ أخلَّ بحكم ما الزمه العقل واقتضتْه الفطرةُ، قال تعالى:(( فَفَسقَ عن أمرِ ربَّهِ ) ) (الكهف:50) 11
وكما اسلفت في اول المبحث أن هذه الآية الكريمة من آيات الاحكام، كان لزامًا على المسلم ان يمتثل لامر الشارع في الطاعة لاوامره تعالى، لان الحج عبادة لا اِستجمامَ او سياحة او عبث او تجارة، ولهذا اجمع الفقهاء على انه لا جدال في الحج الاّ الجدال العلمّي، لان من اعظم الملكات عند الله ملكة الحياء والعلم، ـوبهما يرقى العبدُ الى ربّه والعمل الصالح يرفعه.
وقد يكون النفي بـ (لا) النافية للجنس اعتباريًا، فالحديث المرّوي عن الرّسول (ص) هو مصداقُ على ذلك: (لا قولَ الاّ بعملٍ، ولا قول ولا عمل إلاّ بنيّةٍ، ولا قول ولا عمل ولا نيّة اِلاّ بإصابة السنّة) 12
(ولا) هنا نافية للجنس، لأنّ اسمها مبنيّ على الفتح، وهي تختلف في ادائها ومدلولها عن (لا) المشبّهة بـ (ليس) في كون النافية للجَنس تنفي جنس الشيء، وهو
العمل في المقام، وهذا معناه ان العمل وغير العمل سيّان ان لم يكن العمل مصحوبًا بنيّة حسنة، وليس المقصود نفي الحقيقة والواقع الخارجي بل نفي الاعتبار. فمن واصل الدّراسة لمدة عشرين او ثلاثين سنةً حتّى بلغ مرحلة الاجتهاد، انما يعبرّ عن وجود همّةٍ صاحبُها رجل مثابر، إذًا فكيف لا يعد كلّ ما بذله من جهدٍ عملًا؟ وهكذا من بذل إطعامًا او القى خطابًا إذًا استوجب مدح الناس واعجابهم، كيف. قال عمّا صدر عنه أنّه لم يكن عملًا؟ لا شكّ ان المقصود هو نفي الاعتبار وليس الحقيقة. وتوضيح ذلك بمثال: لو أنّ شخصًا ألفَ كتابًا ضخمًا واتعب نفسه في تاليفه ثمَّ قدّمه لعالمٍ والتمسه ان يكتب له تقريضًا ولكن العالم اكتشف بعد مطالعته الكتاب أنّه لا قيمة له من الناحية العلمية والموضوعية، واعتذر لصاحبه عن كتابه التقريظ قائلًا: إنّ هذا ليس بكتابٍ أصلًا فماذا يُفهم؟ هل نفى الواقع المادّي الملموس للكتاب ككتاب مؤلف من اوراق كُتب عليها عبارات وخطوط أمْ نفى توفّر الكتاب على الشروط التي يستحق بها ان يسمى كتابًا كما ينبغي.
واذا اتّضح هذا المثال نقول: (هكذا يجب أن نفهم مراد الاحاديث الشريفة التي تقول:(إنّه لا عمل إلاّ بنيّة) 13