الصفحة 18 من 24

يشبه تماما ما قاله الرسول محمد (ص) لقومه (79) ، ولهذا فما جاء في الآية من صميم الرسالتين اللتين هما في الحقيقة رسالة واحدة فالكلام يصلح للأمتين والنبيين ويشعر المشرك عندما يسمع هذه الآيات انه المقصود بالخطاب فيكون تأثير النص اقوى وابلغ

ويظل السؤال مطروحا أن الآية صريحة في الخطاب لمحمد (ص) بدلالة الفعل (يقولون، قل) وهو قرينة قاطعة على أن الخطاب لمحمد (ص) فما هو القول؟

نقول إن القرآن مليء بالالتفات من الغيبة إلى الحضور أو الخطاب وغيره (80) وان القرآن التفت في هذا النص من الغائب الى المخاطب حتى يشعر المشرك انه مقصود بالخطاب وفي الوقت ذاته يكون المقصود بالخطاب قوم نوح ومما حسن هذا الالتفات تشابه الحالين بين القومين والنبيين عليهما السلام.

و يتبين مما عرضناه أن المرجحات متعادلة فإذا كان السياق محددا دلاليا وحاكما على النص فان السياق يقتضي أن تكون في نوح (ع) وقومه ولا اعتراض.

وطالما تمسك الذين ما إن وجدوا جملة في النص القرآني لم يستطيعوا أن يربطوا معناها بما قبلها بالقول: (( أن الجملة الاعتراضية ليست كلاما لا علاقة له بأصل القول، بل غالبا ما تأتي الجمل الاعتراضية لتؤكد بمحتواها مفاد الكلام وتؤيده ... وبالطبع فإن الجملة

الاعتراضية لا يمكن أن تكون أجنبية عن الكلام بتمام المعنى، وإلا فتكون على خلاف البلاغة والفصاحة )) (81) ، وقالوا: (( ومن حق الاعتراض أن يؤكد ما اعترض بينه ) ) (82) ولطالما قالوا: إن (( الجملة الاعتراضية ما يتوسط بين أجزاء الكلام متعلقا به معنى مستأنفا لفظا على طريق الالتفات ) ) (83) غير أنهم عجزوا عن أن يطبقوا ما قالوه على قوله تعالى:: (( أم يقولون افتراه قل إن افتريته فعلي إجرامي وأنا بريء مما تجرمون ) ) (هود: 35) فقالوا عنها: (( وإنما ينقطع ارتباط الكلام أحيانا لتخف على المخاطب رتابة الإيقاع وليبعث الجدة واللطافة في روح الكلام ) ) (84) وهذا يعني أن الآية موضوع الحديث لا ترتبط دلاليا بالنص الذي هي فيه، وهذا يتنافى مع بلاغة القرآن ولا ينطبق عليه شرط الجملة الاعتراضية المذكور انفا الذي طالما تمسكوا به، وهذا يبين صحة ما ذهبنا إليه من كون الآية ليست اعتراضية.

وجعل كثيرون قوله تعالى (( لا يعلمهم إلا الله ) )من قوله تعالى: (( ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب ) ) (إبراهيم: 9) خبرا عن (والذين من بعدهم) (85) على عدهما جملة اعتراضية متكونة من مبتدأ وخبر (86) أو أن (( والذين من بعدهم ) )معطوفة على قوم نوح و (( لا يعلمهم إلا الله ) )جملة اعتراضية (87)

والرأي الأول ظاهر الفساد قال الطباطبائي (1412 هـ) (( وأما احتمال أن يكون خبرا لقوله(والذين من بعدهم) كما ذكره بعضهم فسخافته ظاهرة، وأسخف منه تجويز بعضهم أن يكون حالا من ضمير (من بعدهم) وكون قوله (جاءتهم رسلهم) خبرا لقوله (والذين من بعدهم) . )) (88) لأن الذين من بعد قوم نوح وعاد وثمود قد اخبر الله عنهم في القرآن أخبارًا كثيرة ثم إن قوله تعالى (( الذين من بعدهم ) )قول شامل لكل قوم بعد نوح وعاد وثمود فهل يعقل أن لا يعلم قوم محمد عن آبائهم وأجدادهم او هل يعقل ان لا تعلم الأقوام المجاورة عن آبائها وتاريخها وأنسابها وأحوال أجدادهم وهم أقوام ذوو حضارة وتاريخ كالروم الفرس والمصريون القدماء (الفراعنة)

أما الرأي الثاني الذي يجعل جملة (( والذين من بعدهم ) )معطوفة على قوم نوح وجملة (( لا يعلمهم إلا الله ) )اعتراض فهو فاسد أيضا لأن الاعتراض لابد أن يتعلق دلاليا بما قبله أو بعده ويأتي لغرض وجملة (( لا يعلمهم إلا الله) عندئذ غير متعلقة بما قبلها أو بعدها وكأنها مقطوعة عن النص ودخيلة عليه ولغوا فيه وهذا لا يجوز على النص القرآني ويكون المعنى على وفق رأيهم: (الم يأتكم نبأ أقوام(نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم) ـ لا يعلمهم إلا الله ـ جاءتهم رسلهم بالبينات). ومنه يظهر أن لافائدة دلالية من وجود جملة (لا يعلمهم إلا الله) .

ولو فرضنا صحة ما ذهب إليه الكثيرون من أن معنى الآية: إن حالهم أو عددهم أو كثرتهم أو هلاكهم أو أمورهم او عمرهم او صفاتهم لا يعلمها إلا الله (89) فسيكون المعنى (الم يأتكم نبأ أقوام(نوح وعاد وثمود

والذين من بعدهم)التي لا يعرف أحوالهاأو عددها أو ... إلا الله. أليس هذا المعنى فاسدا بعد ان اخبر الله نبيه (ع) عن كثير من تلك الأحوال وطريقة الهلاك .. الخ مما اخبر الله به نبيه (ع) ثم الم يخبر الله نبيه ببعض أحوال تلك الأمم في الآية نفسها فقال تعالى: (( جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب ) ) (إبراهيم: 9) ألا يعد هذا تناقضا مع ذلك التفسير، ثم ألم يبدأ الله كلامه عن قوم (نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم) بقوله: (( ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم ) )وهذا استفهام تقريري أي أن الله يحمل نبيه (ع) وقومه على الاعتراف بأمر قد استقر عندهم، وهو نبأ تلك الأقوام فكيف يعود ويقول (لا يعلمهم الا الله) على معنى: إن حالهم أو عددهم أو كثرتهم أو هلاكهم أو أمورهم لا يعلمها إلا الله أ ليس هذا تناقضا (90) ، ألايعني هذا أن معنى (لا يعلمهم إلا الله) غير ما ذكره الكثيرون من المفسرين الا يعد قوله تعالى: (( ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم ) )قرينة لفظية صريحة في ان نبا تلك الأقوام المذكورة في الآية قد أتي به إلى رسول الله (ص) ولهذا فان المعنى المناسب لقوله تعالى (لا يعلمهم الا الله) أي كثيرون (91) ويكون معنى النص (الم يأتك نبا الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم كثيرون جاءتهم رسلهم وعندئذ لا يوجد اعتراض في النص

ويظل السؤال مطروحا ما الدليل على أن (لا يعلمهم إلا الله) بمعنى كثيرون؟ وللإجابة نقول: إن القرآن نسق لغته وأساليبه على لغة العرب وأساليبهم وان هذا الاسلوب مستعمل في لغة العرب بمعنى كثيرون فقد جرى على اقلام المؤلفين والكتاب بهذا المعنى. جاء في البداية والنهاية متحدثا عن معركة (( وأصيب من المسلمين سعد بن عبيد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت