وعلى كل حال فيمكن تلخيص ما ذكروه إجمالًا من الضرر الذي بسبب خوف وقوعه جوَّزوا رمي الترس في النقاط التالية:
الأولى: خشية استيلاء الكفار على ديار المسلمين وتسطلهم عليهم.
الثانية: أن غلبتهم على ديار المسلمين تقود إلى إفساد الدين والدنيا، وتحت هذا من أنواع المفاسد وصورها ما لا يحصى.
الثالثة: في الكف عن رميهم لأجل من بينهم من المسلمين تعطيل لفريضة الجهاد.
الرابعة: أن الكفار إذا علموا بكف المسلمين عن رميهم لأجل من يُوجد بينهم من المسلمين؛ اتخذوا ذلك ذريعة لحفظ أنفسهم ومنع المسلمين من قتالهم.
وكما نرى فإن بعض هذه الصور يختص بجهاد الدفع، وهو آكد وأعظم، وبعضها يمكن أن يكون في الدفع والطلب معًا.
ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى مفرقًا بين قسمي الجهاد، ومبينًا كون جهاد طلب أعظم أهمية وأكثر تأكدًا من جهاد الطلب: (وأما قتال الدفع؛ فهو أشد أنواع دفع الصائل عن الحرمة والدين، فواجب إجماعًا، فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه، فلا يشترط له شرط، بل يدفع بحسب الإمكان، وقد نص على ذلك العلماء أصحابنا وغيرهم، فيجب التفريق بين دفع الصائل الظالم الكافر وبين طلبه في بلاده) [1] .
وقول شيخ الإسلام رحمه الله في وصف العدو الصائل بإنه"يفسد الدين والدنيا"؛ إنما هي صفة كاشفة وليست مقيِّدة، بمعنى أن كل عدو صائل يعتبر مفسدًا للدين والدنيا، ولا يمكن أن تنفك هذه الصفة عنه طرفة عين، فيترتب عليه ما ذكر من الحكم - وهو وجوب دفعه بالاتفاق - وهذا هي حقيقة كل الأعداء الذين صالوا على ديار المسلمين - قديمًا وحديثًا - مما يجعل إنكار هذا الأمر أو المجادلة فيه هو من قبيل التنكر للمحسوسات والقطعيات.
(1) الفتاوى الكبرى: 4/ 608.