فأما مع إمكان التأجيل والقدرة على التريث في رميهم بما يحصل به الغرض ويتأتى معه المطلوب؛ فينبغي الكف عنهم، حقنًا لدماء المسلمين، وجمعًا بين الأمرين - وهما دفع ضرر الكفار ورفع أذاهم والحفاظ على من بأيديهم من الأسارى أو من كان بينهم من التجار -
قال الإمام النووي رحمه الله: (لو تترس الكفار بمسلمين من الأسارى وغيرهم؛ نظر إن لم تدع ضرورة إلى رميهم واحتمل الحال الإعراض عنهم؛ لم يجز رميهم) [1] .
-السابع؛ وهو أن لا يمكن التوصل لفتح الحصن أو كسر شوكة الكفار المتترسين إلا بما يعم به القتل - كالتحريق والتغريق والرمي بالمجانيق ونحوها مما قد يشمل استعماله مَن معهم من المسلمين:
قال ابن قدامة رحمه الله: (فإن كان فيهم مسلمون، فأمكن الفتح بدون ذلك، لم يجز رميهم، لأنه تعريض لقتلهم من غير حاجة، وإن لم يمكن بدونه جاز، لأن تحريمه يفضي إلى تعطيل الجهاد) [2] .
هذا والذي يجمع كل هذه الشروط والضوابط التي ذكرها الفقهاء متفرقة في مواطن شتى؛ هو قول الله تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} [التغابن: 16] .
فالجهاد وإن كان مأمورًا به أمرًا مؤكدًا - سواء في حالة الحاجة أو الضرروة - فإنه لا يلزم منه عدم مراعاة حرمات الدماء قدر الإمكان، ولا يزيل وجوب الموازنة الشرعية الصائبة بين حالة الضرورة الحقيقية القائمة وبين سفك دم للمجاهد مندوحة عن الإقدام عليه، فالجهاد لا يمنع التحري والحيطة واختيار الأوقات والأماكن والأحوال التي يحصل بها المقصود ويتوصل بها إلى المطلوب مع صيانة الدماء المحرمة شرعًا.
وحالة التترس التي ذكرها الفقهاء؛ إنما هي حالة استثنائية خارجة عن الأصل، فيُضيَّق فيها زمانًا ومكانًا وصفة - قدر الإمكان - ويُستمسك بالأصل حسب القدرة، وهذا ما يُستنتج من القيود المستخلصة من كلام الفقهاء، وهو أمر لا ينبغي أن يُختلف فيه أصالة؛ كقاعدة عامة كلية مُسلَّمة، وإن وقع الاختلاف في كيفية التطبيق ومدى توافر هذه الشروط أو انعدامها في الحالة المعينة التي يُراد إنزال الحكم عليها، وهو ما تتفاوت فيه التقديرات وتختلف الأنظار.
ومِلاك ذلك كله؛ التقوى وبذل الجهد في التحري والاحتياط والدقة في النظر والتدقيق في كل حالة بحسبها، والتأمل في تفاصيلها، وعدم الاعتماد على الحكم الكلي العام ليكون مسوِّغا لكل عملية.
(1) روضة الطالبين: 10/ 246.
(2) الكافي: 4/ 193.