وهكذا تكون الأسلحة الحديثة قد وسعت من مفهوم التترس، بل جعلت هذا المفهوم في صوره المعاصرة أقوى منه في صوره القديمة.
ففي القديم كان الخصم المقاتل يحتمي بشخص ممن ينتمي إلى الطرف الآخر، يمسك به أمامه ليتفادى به ضربات خصمه، وكذلك بالنسبة للجيش المقاتل حين يقدم أمامه صفا من الأسرى الأعداء - مثلا - ليتلقى بهم ضربات السيوف أو طعنات الرماح وما إليها ... ففي هذه الحال يمكن للطرف الآخر الذي يهمه أن لا يتعرض الترس الحي أو الدرع البشري عند خصمه للأذى؛ قد يمكنه أن يقاتل، ويتفادى ما أمكنه أن يصيب ذلك الترس أو ذلك الدرع البشري ...
أما اليوم مع الأسلحة الحديثة المتطورة ... التي منها ما يحيل هدفه إلى كومة من رماد بما فيه ومن فيه، فإن التترس في صوره المعاصرة التي أشرنا إليها، من شأنه أن يُكره الخصمَ؛ إما على الكف عن فكرة القتال حرصا على حياة الدرع البشري، وإما أن يقبل بفكرة التضحية المحققة بحياة هذا الدرع، وإعلان القتال بالأسلحة التدميرية الشاملة ... أو أن ينجر إلى حرب طويلة الأمد ضد الخصم، بأسلحة تقليدية قد لا يكون من مصلحته أن يخوض مثل هذا النوع من الحروب التي تَحرِمه من الاستفادة من أسلحته التدميرية الشاملة ... وذلك بسبب حرصه على حياة رهائنه عند خصمه، والذين سيكونون من أولى ضحايا تلك الأسلحة التدميرية فيما لو أراد استعمالها ... الأمر الذي يصعب عند هذا الظرف أن يَطرح هذه الفكرة على بساط البحث ...
ومن هنا؛ يكون التترس في صوره المعاصرة أقوى في تحقيق أغراضه من التترس في صوره القديمة) [1] .
بل قد طرأت بعض الصور العصرية، التي لا تقل أهمية وخطورة وتأثيرًا في سير المعارك وترجيح كفتها عن مسألة التترس، وقد تأملت فيها كثيرًا؛ فلم أر فارقًا مؤثرًا يمكن أن يغير الحكم.
وتلك الصورة هي القصف العشوائي الانتقامي على مساكن العوام الآهلة بالسكان وأسواقهم العامة المكتظة، وذلك إثر كل عملية يقوم بها المجاهدون على مركز من مراكز العدو، وهو أمرٌ نعيشه ويعيشه سائر إخواننا المجاهدين في الساحات، والشيء المقطوع به هنا؛ أن ترك قتال العدو وشن الغارت عليه تركًا كاملًا لأجل ذلك، يؤدي إلى زيادة تمكنه وتوغله وسهولة مطاردته وملاحقته للمجاهدين، فما يقال في مسألة التترس؛ يقال في هذه المسألة - سواء بسواء -
(1) الجهاد والقتال في السياسة الشرعية: 2/ 1328.