-ومنها: الموازنة الدقيقة الواقعية بين الضرر الخاص المتعلق بذلك الهدف، والذي سيُكف بضربه، وبين الضرر الذي سيقع على المسلمين الذين قد تشملهم العملية تبعًا، سواء من جهة عدد القتلى في صفوفهم، أو من جهة بقاء تأييدهم وتفهمهم لظرف العملية وأهمية المستهدف فيها، ونحو ذلك.
-ومنها: أن يكون الوصول لذلك الهدف بغير هذه الطريقة مُتعذرًا أو متعسرًا، بحيث يستحيل أو يصعب معه التوصل إليه إلا عبر الوسيلة التي قد تؤدي إلى مقتل بعض المسلمين.
-ومنها: منع القصد القلبي لقتل المسلمين، بحيث تتوجه النية والمطلب فقط إلى قتل من يُراد من الكفار، ويعزم بقلبه على عدم قصد قتل أحد من المسلمين في تلك العملية بعينها، لأنه إن تعذر ذلك بالفعل والعمل، فهو ممكن بالقلب والنية، وجِماع هذه الأمور كلها في قول الله تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} [التغابن: 16] .
وبهذا يظهر أنه لا بد من التحري والحيطة في كل عملية على حدة، واعتبار هذه الأمور وغيرها مما يمنع أصابة المسلمين أو يُضيق دائرة إصابتهم، وهو أمر مقصود ومطلوب شرعًا.
كما نقلنا عن الغزالي رحمه الله قوله: (لأنا نعلم قطعا؛ أن مقصود الشرع تقليل القتل، كما يقصد حسم سبيله عند الإمكان، فإن لم نقدر على الحسم قدرنا على التقليل) [1] .
ولا يكفي أو يغني؛ إدراج تلك العملية ضمن"دفع الضرر"العام، الواقع من جرّاء الاحتلال، ومن ثَم إقحامها في حكم التترس بمجرد ذلك، ومن غير ضرورة أو حاجة خاصة جزئية متعلقة بها - وهذا أمرٌ يقدره ويحدده القادة الميدانيون الذين يعايشون حقيقة الساحات ويحتكون بالعدو في صور وحالات وأماكن متنوعة -
فما من موطن أمكن فيه صيانة دم المسلم وتأتى فيه حفظه بطريقة أو بأخرى مع قيام الجهاد واستمراره على الوجه المطلوب المؤدي للغرض؛ إلا كان سفكه مُحرمًا.
ومن هنا فإنني أعيد وأذكِّر بما ذكرته آنفًا؛ من أن مسألة التترس التي ذكرها الفقهاء إنما هي حالة استثنائية عارضة خارجة عن الأصل، ولذا فإن لها ظروفها وأحوالها وأحكامها الخاصة بها، وما ندَّ عن الأصل؛ يُقتصر فيه على حدوده وضوابطه من غير توسّع ولا استرسال، حتى لا ينقلب أصلًا، ومتى انقضت صورة الشذوذ، وأمكن الرجوع إلى الأصل والاستمساك به وجب ذلك، وهي داخلة في عموم القاعدة الفقهية المعروفة؛"أن الضرورة تقدر بقدرها".
(1) المستصفى: 1/ 176.