ففي المرّة الأولى ألّفها باسم: (مسألةٌ في الاستثناء نحويّة في آيةٍ كريمةٍ) ولم يشر فيها إلى الدافع لتأليفها، وقد ذكر في آخرها تأريخ تأليفه لها، فقال: (( كتبه عليّ بن عبد الكافي السُّبكيّ، غفر الله له ولوالديه، في يوم الثلاثاء حادي عشر شهر ربيع الآخر، سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة، بظاهر دمشق ) ).
وهي في ورقةٍ واحدةٍ، أورد فيها تقيّ الدين السُّبكيّ الخلاف بين الزمخشريّ وأبي حيّان الأندلسيّ في المسألة بإيجازٍ، ولم يتعرّض فيها لآراء النّحويّين، ولا الخلاف بينهما.
وقد وقف على هذا التقرير الذي قرّره تقيّ الدين السُّبكيّ في المسألة أحدُ العلماء النّجباء، فكتب إليه كتابًا يذكر فيه أنّ النّحاة اختلفوا في أمرين، ... وقد أشار تقيّ الدين السُّبكيّ إلى هذا التقرير في نهاية رسالة (الحِلْم والأَنَاه في إِعْرَابِ قَوْلِهِ تَعَالَى: غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاه) ، فقال: (( وقد جاءني كتابك - أكرمك الله - تذكر فيه أنّك وقفتَ على ما قرّرتُه في إعراب قوله تعالى: {غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاه} ، وأنّ النّحاة اختلفوا في أمرين: أحدهما: وقوع الحال بعد المستثنى ... ) ).
قلت: هذا الكتاب وما قُرّر فيه من الخلاف بين النّحويّين في المسألة، هو الذي دفع تقيّ الدين السُّبكيّ مرةً ثانيةً إلى شحْذ سَنان العزم على التأليف في المسألة، واختار أن يكون عنوان الرسالة: (الحِلْم والأَنَاه في إِعْرَابِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاه} ) ، تعرّض فيها إلى تفصيل الخلاف بين الزمخشريّ وأبي حيّان، وأورد آراء النّحويّين في المسألة بالتفصيل والتدليل، مبيّنًا موقفه الذي يذهب إليه.
وقد نصّ تقيّ الدين السُّبكيّ في نهايتها على تأريخ تأليفها، فقال: (( كتبه في ثالث عشر جمادى الأُولى سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة، بظاهر دمشق المحروسة ) ).
أي: إنّ الرسالة في صورتها الأخيرة - المرة الثانية - كُتبت بعد شهرٍ من تأريخ كتابتها في المرّة الأُولى.